تفسير الطبري

تفسير الطبري

By الطبراني
Michael Caine
Listen with Sir Michael Caine™ and 1,000+ voices
Length15h 27m

About this audiobook

جامع البيان في تفسير القرآن أو جامع البيان عن تأويل آي القرآن أو جامع البيان في تأويل القرآن المعروف بـ «تفسير الطبري» للإمام محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري، هو من أشهر الكتب الإسلامية المختصة بعلم تفسير القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة، ويُعِدُّه البعضِ المرجعَ الأول للتفسير

Audiobook details

GenreSpirituality and Religion
Length15 hrs 27 mins
Narrated byListen with 1,000+ voices
FormateBook with Audio
Publish dateNov 5, 1900
LanguageArabic

Table of contents

1تفسير الطبري الجزء 1
59الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} البقرة: 13 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} البقرة: 13 يَعْنِي: وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ وَنَعَتَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ {آمَنَّا
2خُطْبَةُ الْكِتَابِ
60الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} البقرة: 13 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالسُّفَهَاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ، كَالْعُلَمَاءِ جَمْعُ عَلِيمٍ، وَالْحُكَمَاءِ جَمْعُ حَكِيمٍ وَالسَّفِيهُ: الْجَاهِلُ الضَّعِيفُ الرَّأْيِ، الْقَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَوَاضِعِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ وَلِذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ سُفَهَاءَ، فَقَالَ
3الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَنِ اتِّفَاقِ مَعَانِي آيِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِي مَنْطِقِ مَنْ نَزَلَ بِلِسَانِهِ مِنْ وَجْهِ الْبَيَانِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ هُوَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، مَعَ الْإِبَانَةِ عَنْ فَضْلِ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ بَايَنَ الْقُرْآنُ سَائِرَ الْكَلَامِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ مِنْ عَظِيمِ نِعَمِ
61الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} البقرة: 13 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ نَعْتُهُ لَهُمْ وَوَصْفُهُ إِيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ، أَنَّهُمْ هُمُ الْجُهَّالُ فِي أَدْيَانِهِمْ، الضُّعَفَاءُ الْآرَاءِ فِي اعْتِقَادَاتِهِمْ وَاخْتِيَارَاتِهِمُ الَّتِي
4الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَنِ الْأَحْرُفِ الَّتِي اتَّفَقَتْ فِيهَا أَلْفَاظُ الْعَرَبِ وَأَلْفَاظُ غَيْرِهَا مِنْ بَعْضِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ سَأَلْنَا سَائِلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ ذَكَرْتَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُهُ، وَأَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رِسَالَةً إِلَّا بِاللِّسَانِ الَّذِي يَفْقَهُهُ، فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا
62الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُ الْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهَا عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِخِدَاعِهِمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
5الْقَوْلُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ، عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْزَلَ جَمِيعَ الْقُرْآنِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهَا، مِنْ أَلْسُنِ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ، وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مِنْهُ مَا لَيْسَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ
63الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أَجْمَعَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ، عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} إِنَّمَا نَحْنُ سَاخِرُونَ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَإِذَا انْصَرَفَ الْمُنَافِقُونَ خَالِينَ إِلَى مَرَدَتِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ عَنْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ
Show all chapters
6الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» ، وَذِكْرُ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَتِ النَّقَلَةُ فِي أَلْفَاظِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
64الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} البقرة: 15 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتُلِفَ فِي صِفَةِ اسْتِهْزَاءِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ فَاعِلُهُ بِالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اسْتِهْزَاؤُهُ بِهِمْ كَالَّذِي أَخْبَرَنَا تَبَارَكُ اسْمُهُ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ
7الْقَوْلُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ قُلْنَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ عَرَبِيٌّ، وَأَنَّهُ نَزَلَ بِأَلْسُنِ بَعْضِ الْعَرَبِ، دُونَ أَلْسُنِ جَمِيعِهَا، وَأَنَّ قِرَاءَةَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ وَمَصَاحِفَهُمُ الَّتِي هِيَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، بِبَعْضِ الْأَلْسُنِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ دُونَ
65الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَمُدُّهُمْ} البقرة: 15 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {وَيَمُدُّهُمْ}
8ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ بِالنَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ
66الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} البقرة: 16 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ اشْتَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَإِنَّمَا كَانُوا مُنَافِقِينَ لَمْ يَتَقَدَّمْ نِفَاقَهُمْ إِيمَانٌ فَيُقَالُ فِيهِمْ بَاعُوا هَدَاهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ بِضَلَالَتِهِمْ
9ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي الْحَضِّ عَلَى الْعِلْمِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَنْ كَانَ يُفَسِّرْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ
67الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} البقرة: 16 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بِشِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى خَسِرُوا وَلَمْ يَرْبَحُوا، لِأَنَّ الرَّابِحَ مِنَ التُّجَّارِ الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ سِلْعَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ عَلَيْهِ بَدَلًا هُوَ أَنْفَسُ مِنْ سِلْعَتِهِ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ ثَمَنِهَا الَّذِي يَبْتَاعُهَا بِهِ. فَأَمَّا الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ
10ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي غَلَطَ فِي تَأْوِيلِهَا مُنْكِرُو الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ
68الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} البقرة: 16 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} البقرة: 16 مَا كَانُوا رُشَدَاءَ فِي اخْتِيَارِهِمُ الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى، وَاسْتِبْدَالِهِمُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، وَاشْتِرَائِهُمُ النِّفَاقَ بِالتَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ
11ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِيمَنْ كَانَ مِنْ قُدَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ مَحْمُودًا عِلْمُهُ بِالتَّفْسِيرِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَذْمُومًا عِلْمُهُ بِذَلِكَ
69الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} البقرة: 17 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} البقرة: 17 وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ مِنْ قَوْلِهِ: {مَثَلُهُمْ} البقرة: 17 كِنَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ
12الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ وَسُورَهِ وَآيِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، سَمَّى تَنْزِيلَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَسْمَاءً أَرْبَعَةً: مِنْهُنَّ الْقُرْآنُ، فَقَالَ فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، فِي تَنْزِيلِهِ: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ
70الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} البقرة: 18 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِذْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} البقرة: 17 هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ بِالْمُنَافِقِينَ فِي الْآخِرَةِ، عِنْدَ هَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، وَإِظْهَارِهِ فَضَائِحَ
13الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ أَسْمَاءِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: صَحَّ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
71الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} البقرة: 18 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَوْلُهُ: {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} البقرة: 18 إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِاشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَصَمَمِهِمْ عَنْ سَمَاعِ الْخَيْرِ وَالْحَقِّ، وَبَكَمِهِمْ عَنِ الْقِيلِ بِهِمَا، وَعَمَاهُمْ عَنْ إِبْصَارِهِمَا؛ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
14الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ الِاسْتِعَاذَةِ
72الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرِ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
15تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {أَعُوذُ} البقرة: 67 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالِاسْتِعَاذَةُ: الِاسْتِجَارَةُ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَسْتَجِيرُ بِاللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، أَنْ يَضُرَّنِيَ فِي دِينِي، أَوْ يَصُدَّنِي عَنْ حَقٍّ يَلْزَمُنِي لِرَبِّي
73الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} البقرة: 20 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا الظُّلُمَاتُ فَجَمْعٌ، واَحِدُهَا ظُلْمَةٌ؛ وَأَمَّا الرَّعْدُ فَإِنَّ أَهْلَ
16تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {مِنَ الشَّيْطَانِ} آل عمران: 36 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالشَّيْطَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالدَّوَابِّ وَكُلِّ شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} الأنعام: 112 فَجَعَلَ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينَ، مِثْلَ الَّذِي جَعَلَ مِنَ الْجِنِّ
74وَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} البقرة: 19 يَعْنِي بِذَلِكَ يَتَّقُونَ وَعِيدَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُبْدُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ ظَاهِرِ الْإِقْرَارِ، كَمَا يَتَّقِي الْخَائِفُ أَصْوَاتَ الصَّوَاعِقِ بِتَغْطِيَةِ أُذُنَيْهِ وَتَصْيِيرِ أَصَابِعِهِ فِيهَا
17تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {الرَّجِيمِ} آل عمران: 36 وَأَمَّا الرَّجِيمُ فَهُوَ فَعِيلٌ، بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: كَفٌّ خَضِيبٌ، وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ، وَرَجُلٌ لَعِينٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ: مَخْضُوبَةٌ، وَمَدْهُونَةٌ، وَمَلْعُونٌ؛ وَتَأْوِيلُ الرَّجِيمِ: الْمَلْعُونُ، الْمَشْتُومُ. وَكُلُّ مَشْتُومٍ بِقَوْلٍ رَدِيءٍ أَوْ سَبٍّ، فَهُوَ مَرْجُومٌ وَأَصْلُ الرَّجْمِ: الرَّمْيُ بِقَوْلٍ كَانَ أَوْ
75ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ} البقرة: 20 يَعْنِي أَنَّ الْبَرْقَ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ، وَجَعَلَ الْبَرْقَ لِإِيمَانِهِمْ مَثَلًا. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمُ الْإِيمَانُ وَإِضَاءَتُهُمْ لَهُمْ أَنْ يَرَوْا فِيهِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَإِصَابَةِ الْغَنَائِمِ فِي الْمَغَازِي، وَكَثْرَةِ الْفُتُوحِ،
18سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
76وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مَشَوْا فِيهِ} البقرة: 20 مَشَوْا فِي ضَوْءِ الْبَرْقِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا. فَمَعْنَاهُ: كُلَّمَا رَأَوْا فِي الْإِيمَانِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا، ثَبَتُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ، كَمَا يَمْشِي السَّائِرُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَظُلْمَةِ الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِذَا بَرَقَتْ فِيهَا
19{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ {بِسْمِ} الفاتحة: 1 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، أَدَّبَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَعْلِيمِهِ تَقْدِيمَ ذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى أَمَامَ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَمُقَدَّمٌ إِلَيْهِ فِي وَصَفِهِ بِهَا قَبْلَ جَمِيعِ مُهِمَّاتِهِ، وَجَعَلَ مَا أَدَّبَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ
77الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} البقرة: 20 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ دُونَ سَائِرِ أَعْضَاءِ أَجْسَامِهِمْ لِلَّذِي جَرَى مِنْ ذِكْرِهَا فِي الْآيَتَيْنِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} البقرة: 19 وَقَوْلَهُ:
20الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهِ} الفاتحة: 1 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ: «اللَّهِ» ، فَإِنَّهُ عَلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ. وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا كُرَيْبٍ
78الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة: 20 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ حَذَّرَ الْمُنَافِقِينَ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهِمْ مُحِيطٌ وَعَلَى إِذْهَابِ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَدِيرٌ، ثُمَّ قَالَ: فَاتَّقُونِي أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ
21الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
79الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 21 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأُنْذِرُوا أَمْ لَمْ يُنْذَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، لِطَبْعِهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ،
22مَعْنَى {الْحَمْدُ لِلَّهِ} الفاتحة: 2 الشُّكْرُ خَالِصًا لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ دُونَ سَائِرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، وَدُونَ كُلِّ مَا بَرَأَ مِنْ خَلْقِهِ، بِمَا أَنْعَمَ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ النَّعَمِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا الْعَدَدُ وَلَا يُحِيطُ بِعَدَدِهَا غَيْرُهُ أَحَدٌ، فِي تَصْحِيحِ الْآلَاتِ لِطَاعَتِهِ، وَتَمْكِينِ جَوَارِحِ أَجْسَامِ الْمُكَلَّفِينَ لِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، مَعَ مَا بَسَطَ لَهُمْ فِي
80الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 21 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ بِعِبَادَتِكُمْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، وَإِفْرَادِكُمْ لَهُ الْعِبَادَةَ، لِتَتَّقُوا سَخَطَهُ وَغَضَبَهُ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ رَضِيَ عَنْهُمْ رَبُّهُمْ. وَكَانَ مُجَاهِدٌ
23الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْعَالَمُونَ جَمْعُ عَالَمٍ، وَالْعَالَمُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْأَنَامِ وَالرَّهْطِ وَالْجَيْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ مَوْضُوعَاتٌ عَلَى جِمَاعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ. وَالْعَالَمُ اسْمٌ لِأَصْنَافِ الْأُمَمِ، وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا عَالَمٌ، وَأَهْلُ كُلِّ قَرْنٍ
81الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
24الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 ، فِي تَأْوِيلِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 1 ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلَمْ يُحْتَجُّ إِلَى الْإِبَانَةِ عَنْ وَجْهِ تَكْرِيرِ اللَّهِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إِذْ كُنَّا لَا نَرَى أَنَّ {بِسْمِ
82وَقَوْلُهُ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} البقرة: 22 مَرْدُودٌ عَلَى الَّذِي الْأُولَى فِي قَوْلِهِ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} البقرة: 21 وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ نَعْتِ {رَبَّكُمْ} البقرة: 21 فَكَأَنَّهُ قَالَ: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الْخَالِقَكُمْ، وَالْخَالِقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، الْجَاعِلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا. يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا وَمَوْطِئًا وَقَرَارًا يُسْتَقَرُّ
25الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: 5 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} الفاتحة: 5 لَكَ اللَّهُمَّ نَخْشَعُ وَنَذِلُّ وَنَسْتَكِينُ إِقْرَارًا لَكَ يَا رَبَّنَا بِالرُّبُوبِيَّةِ لَا لِغَيْرِكَ. كَمَا
83الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} البقرة: 22 يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا، فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمَطَرِ مِمَّا أَنْبَتُوهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ زَرْعِهِمْ وَغَرْسِهِمْ ثَمَرَاتٍ رِزْقًا لَهُمْ غِذَاءً وَأَقْوَاتًا. فَنَبَّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَذَكَّرَهُمْ بِهِ آلَاءَهُ لَدَيْهِمْ،
26الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: 5 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: 5 وَإِيَّاكَ رَبَّنَا نَسْتَعِينُ عَلَى عِبَادَتِنَا إِيَّاكَ وَطَاعَتِنَا لَكَ وَفِي أُمُورِنَا كُلِّهَا، لَا أَحَدَ سِوَاكَ، إِذْ كَانَ مَنْ يَكْفُرُ بِكَ يَسْتَعِينُ فِي أُمُورِهِ بِمَعْبُودِهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ مِنَ الْأَوْثَانِ دُونَكَ، وَنَحْنُ بِكَ نَسْتَعِينُ فِي جَمِيعِ
84الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة: 23 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ احْتِجَاجٌ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنَ الْعَرَبِ وَمُنَافِقِيهِمْ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ
27الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة: 6 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة: 6 فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَنَا: وَفِّقْنَا لِلثَّبَاتِ عَلَيْهِ، كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
85ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}
28الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ}
86الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} البقرة: 24 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاتَّقُوا النَّارَ} البقرة: 24 يَقُولُ: فَاتَّقُوا أَنْ تُصْلَوُا النَّارَ بِتَكْذِيبِكُمْ رَسُولِي بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ وَحْيِي وَتَنْزِيلِي، بَعْدَ تَبَيُّنِكُمْ أَنَّهُ كِتَابِي وَمِنْ عِنْدِي، وَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ
29الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} الفاتحة: 7 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقُرَّاءُ مُجْمِعَةٌ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ بِجَرِّ الرَّاءِ مِنْهَا. وَالْخَفْضُ يَأْتِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ غَيْرُ صِفَةً لِلَّذِينَ وَنَعْتًا لَهُمْ فَتَخْفِضُهَا، إِذْ كَانَ الَّذِينَ خَفْضًا وَهِيَ لَهُمْ نَعْتٌ وَصِفَةٌ؛ وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرِ نَعْتًا لِالَّذِينَ،
87الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} البقرة: 24 قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ السَّاتِرُ شَيْئًا بِغِطَاءٍ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا سَمَّى الْكَافِرَ كَافِرًا لِجُحُودِهِ آلَاءَهُ عِنْدَهُ، وَتَغْطِيَتِهِ نَعْمَاءَهُ قِبَلَهُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ إِذًا: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} البقرة: 24 أُعِدَّتِ النَّارُ
30سُورَةُ الْبَقَرَةِ
88الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأَتَوْا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة: 25 أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ} البقرة: 25 فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَخْبِرْهُمْ.
31الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {الم} البقرة: 1 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَتْ تَرَاجِمَةُ الْقُرْآنِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {الم} البقرة: 1 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ
89الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} البقرة: 25 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} البقرة: 25 عَائِدَةٌ عَلَى الرِّزْقِ، فَتَأْوِيلُهُ: وَأْتُوا بِالَّذِي رُزِقُوا مِنْ ثِمَارِهَا مُتَشَابِهًا وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَشَابُهُهُ أَنَّ كُلَّهُ خِيَارٌ لَا رَذْلَ فِيهِ
32الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}
90الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} البقرة: 25 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي لَهُمْ عَائِدَتَانِ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِي فِيهَا عَائِدَتَانِ عَلَى الْجَنَّاتِ. وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ فِيهَا أَزْوَاجٌ
33قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ: تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} البقرة: 2 هَذَا الْكِتَابُ
91الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة: 25 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي الْجَنَّاتِ خَالِدُونَ، فَالْهَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ قَوْلِهِ {وَهُمْ} البقرة: 25 عَائِدَةٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي فِيهَا عَلَى الْجَنَّاتِ، وَخُلُودُهُمْ فِيهَا: دَوَامُ
34الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} البقرة: 2 وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {لَا رَيْبَ فِيهِ} البقرة: 2 لَا شَكَّ فِيهِ،
92وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} البقرة: 26 فَإِنَّ بَعْضَ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ كَانَ يَتَأَوَّلُ مَعْنَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} البقرة: 26 إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْشَى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} الأحزاب: 37 وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَتَسْتَحِي النَّاسَ وَاللَّهُ
35الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُدًى}
93وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {فَمَا فَوْقَهَا} البقرة: 26 فَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا عِنْدِي لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْبَعُوضَةَ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَتْ أَضْعَفَ خَلْقِ اللَّهِ فَهِيَ نِهَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ وَالضَّعْفِ، وَإِذْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا فَوْقَ أَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَقْوَى مِنْهُ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ
36الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلْمُتَّقِينَ}
94الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} البقرة: 26 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} البقرة: 26 فَأَمَّا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَقَوْلُهُ: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} البقرة: 26 يَعْنِي فَيَعْرِفُونَ أَنَّ
37الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى. {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}
95الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}
38الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِالْغَيْبِ}
96الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} البقرة: 27 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا وَصْفٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُضِلُّ بِالْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ لِأَهْلِ النِّفَاقِ غَيْرَهُمْ، فَقَالَ: {وَمَا يُضِلُّ}
39الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الصَّلَاةَ}
97الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} البقرة: 27 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي رَغَّبَ اللَّهُ فِي وَصْلِهِ وَذَمَّ عَلَى قَطْعِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الرَّحِمُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ تَعَالَى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} محمد: 22 وَإِنَّمَا عَنَى بِالرَّحِمِ: أَهْلَ الرَّجُلِ
40الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} البقرة: 3 اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا
98الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} البقرة: 27 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفَسَادُهُمْ فِي الْأَرْضِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ وَصَفْنَاهُ قَبْلُ مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ رَبَّهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِهِ وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ، وَجَحْدِهِمْ نُبُوَّتَهُ، وَإِنْكَارِهِمْ مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِهِ
41الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} البقرة: 4 قَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنِ الْمَنْعُوتِينَ بِهَذَا النَّعْتِ، وَأَيُّ أَجْنَاسِ النَّاسِ هُمْ. غَيْرَ أَنَّا نَذْكُرُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ فِي تَأْوِيلِهِ قَوْلَ
99الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ
42الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} البقرة: 4 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَّا الْآخِرَةُ، فَإِنَّهَا صِفَةٌ لِلدَّارِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت: 64 وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِمَصِيرِهَا آخِرَةً لِأَوْلَى كَانَتْ قَبْلَهَا كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَلَمْ تَشْكُرْ
100الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} البقرة: 29 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، أَقْبَلَ عَلَيْهَا، كَمَا تَقُولُ: كَانَ فُلَانٌ مُقْبِلًا عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيَّ يُشَاتِمُنِي وَاسْتَوَى إِلَيَّ يُشَاتِمُنِي، بِمَعْنَى:
43الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} البقرة: 5 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} البقرة: 5 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الصِّفَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، أَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ
101الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} البقرة: 29 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ: {وَهُوَ} البقرة: 29 نَفْسِهِ وَبِقَوْلِهِ: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} البقرة: 29 أَنَّ الَّذِيَ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَسَوَّى السَّمَوَاتِ السَّبْعَ بِمَا فِيهِنَّ، فَأَحْكَمَهُنَّ مِنْ دُخَانِ الْمَاءِ وَأَتْقَنَ صُنْعَهُنَّ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ وَالْمُلْحِدُونَ الْكَافِرُونَ
44الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} البقرة: 5 وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} البقرة: 5 أَيْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُنْجِحُونَ الْمُدْرِكُونَ مَا طَلَبُوا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَعْمَالِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، مِنَ الْفَوْزِ بِالثَّوَابِ، وَالْخُلُودِ فِي الْجِنَانِ، وَالنَّجَاةِ مِمَّا أَعَدَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
102الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة: 30 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: زَعَمَ بَعْضُ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْعِلْمِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ:
45الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} البقرة: 6 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَفِيمَنْ نَزَلَتْ
103الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلْمَلَائِكَةِ} البقرة: 30 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْمَلَائِكَةُ جَمْعُ مَلَكٍ، غَيْرَ أَنَّ وَاحِدَهُمْ بِغَيْرِ الْهَمْزِ أَكْثَرُ وَأَشْهُرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْهُ بِالْهَمْزِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي وَاحِدِهِمْ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَحْذِفُونَ الْهَمْزَ مِنْهُ، وَيُحَرِّكُونَ اللَّامَ الَّتِي كَانَتْ مُسَكَّنَةً لَوْ هُمِزَ الِاسْمُ. وَإِنَّمَا
46الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} البقرة: 6 وَتَأْوِيلُ {سَوَاءٌ} البقرة: 6 : مُعْتَدِلٌ، مَأْخُوذٌ مِنَ التَّسَاوِي، كَقَوْلِكَ: مُتَسَاوٍ هَذَانِ الْأَمْرَانِ عِنْدِي، وَهُمَا عِنْدِي سَوَاءٌ؛ أَيْ هُمَا مُتَعَادِلَانِ عِنْدِي. وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} الأنفال: 58 يَعْنِي أَعْلِمْهُمْ وَآذِنْهُمْ
104الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ} البقرة: 30 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: {إِنِّي جَاعِلٌ} البقرة: 30 ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنِّي فَاعِلٌ
47الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} البقرة: 7 وَأَصْلُ الْخَتْمِ: الطَّبْعُ، وَالْخَاتَمُ: هُوَ الطَّابَعُ يُقَالُ مِنْهُ: خَتَمْتُ الْكِتَابَ، إِذَا طَبَعْتُهُ. فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ يُخْتَمُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَإِنَّمَا الْخَتْمُ طَبْعٌ عَلَى الْأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ
105الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} البقرة: 30 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لِرَبِّهَا إِذْ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} البقرة: 30 وَلَمْ يَكُنْ آدَمُ بَعْدُ مَخْلُوقًا وَلَا ذُرِّيَّتُهُ، فَيَعْلَمُوا مَا يَفْعَلُونَ
48الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} البقرة: 7 وَقَوْلُهُ: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} البقرة: 7 خَبَرُ مُبْتَدَأٍ بَعْدَ تَمَامِ الْخَبَرِ عَمَّا خَتَمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ جَوَارِحِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ مَضَتْ قِصَصُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ {غِشَاوَةٌ} البقرة: 7 مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} البقرة: 7 فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {خَتَمَ اللَّهُ
106الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} البقرة: 30 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} البقرة: 30 فَإِنَّهُ يَعْنِي: إِنَّا نُعَظِّمُكَ بِالْحَمْدِ لَكَ وَالشُّكْرِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} الحجر: 98 وَكَمَا قَالَ: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} الشورى: 5 وَكُلُّ ذِكْرٌ لِلَّهِ عِنْدَ الْعَرَبِ فَتَسْبِيحٌ وَصَلَاةٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ
49الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} البقرة: 7 وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ عِنْدِي كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَأَوَّلَهُ
107الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} البقرة: 30 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالتَّقْدِيسُ هُوَ التَّطْهِيرُ وَالتَّعْظِيمُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، يَعْنِي بِقَوْلِهِمْ سُبُّوحٌ: تَنْزِيهٌ لِلَّهِ؛ وَبِقَوْلِهِمْ قُدُّوسٌ: طَهَارَةٌ لَهُ وَتَعْظِيمٌ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْأَرْضِ: أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُطَهَّرَةَ. فَمَعْنَى قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ إِذًا {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
50الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} البقرة: 8 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: {وَمِنَ النَّاسِ} البقرة: 8 فَإِنَّ فِي النَّاسِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ جَمْعًا لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَإِنَّمَا وَاحِدُهُ إِنْسَانٌ وَوَاحِدَتُهُ إِنْسَانَةٌ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ أُنَاسٌ
108الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة: 30 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة: 30 مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ إِبْلِيسَ، وَإِضْمَارِهِ الْمَعْصِيَةَ لِلَّهِ وَإِخْفَائِهِ الْكِبْرَ، مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ وَخَفِيَ عَلَى مَلَائِكَتِهِ
51وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} البقرة: 8 وَنَفْيُهُ عَنْهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ اسْمَ الْإِيمَانِ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ تَكْذِيبٌ لَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا عَنِ اعْتِقَادِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ
109الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} البقرة: 31 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّمَهَا آدَمَ ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى الْمَلَائِكَةِ
52الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} البقرة: 9 إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَلَيْسَ الْمُنَافِقُونَ قَدْ خَدَعُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قِيلِ الْحَقِّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ حَتَّى سَلِمَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ كَانُوا مَخْدُوعِينَ فِي أَمْرِ آخِرَتِهِمْ؟ قِيلَ: خَطَأٌ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ خَدَعُوا
110الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} البقرة: 31 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا التَّأْوِيلَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْآيَةِ عَلَى قِرَاءَتِنَا وَرَسْمِ مُصْحَفِنَا، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} البقرة: 31 بِالدَّلَالَةِ عَلَى بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةِ أَوْلَى مِنْهُ بِالدَّلَالَةِ عَلَى أَجْنَاسِ الْخَلْقِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ فَاسِدٌ أَنْ يَكُونَ دَالًّا
53الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} البقرة: 10 وَأَصْلُ الْمَرَضِ: السَّقَمُ، ثُمَّ يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْأَجْسَادِ وَالْأَدْيَانِ فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ فِيَ قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ مَرَضًا. وَإِنَّمَا عَنَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِخَبَرِهِ عَنْ مَرَضِ قُلُوبِهِمُ الْخَبَرَ عَنْ مَرَضِ مَا فِي
111الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} البقرة: 31 قَالَ أَبُوجَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {أَنْبِئُونِي} البقرة: 31 أَخْبِرُونِي
54الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} البقرة: 10 قَدْ دَلَّلْنَا آنِفًا عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ الْمَرَضِ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ: هُوَ الشَّكُّ فِي اعْتِقَادَاتِ قُلُوبِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِ نُبُوَّتِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ، مُقِيمُونَ.
112الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ}
55الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} البقرة: 10 اخْتَلَفَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} البقرة: 10 مُخَفَّفَةَ الذَّالِ مَفْتُوحَةَ الْيَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ مُعْظَمِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: (يُكَذِّبُونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ مُعْظَمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ
113الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة: 23 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ
56الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} البقرة: 11 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَرُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلَاءِ بَعْدُ
114الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ يَا آدَمُ أنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَرَّفَ مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ سَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَهُمُ الْخُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ وَوَصَفُوا أَنْفُسَهُمْ بِطَاعَتِهِ
57الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}
115فَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {قَالَ يَا آدَمُ أنْبِئْهُمْ} البقرة: 33 يَقُولُ: أَخْبِرِ الْمَلَائِكَةَ. وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ: {أنْبِئْهُمْ} البقرة: 33 عَائِدَتَانِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَقَوْلُهُ: {بِأَسْمَائِهِمْ} البقرة: 33 يَعْنِي بِأَسْمَاءِ الَّذِينَ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ. وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي أَسْمَائِهِمْ كِنَايَةٌ عَنْ ذِكْرِ هَؤُلَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ
58الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} البقرة: 12 وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيبٌ لِلْمُنَافِقِينَ فِي دَعْوَاهُمْ إِذَا أُمِرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَنُهُوا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِيمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ. قَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ لَا مُفْسِدُونَ، وَنَحْنُ عَلَى رَشَدٍ
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني11h 20m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني12h 25m$11 · $0.00
تاريخ الطبري
تاريخ الطبريالطبراني5h 47m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني12h 5m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني11h$11 · $0.00
صحيح وضعيف تاريخ الطبري
صحيح وضعيف تاريخ الطبريالطبراني10h 9m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني11h 37m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني12h 19m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني13h 35m$11 · $0.00
صحيح وضعيف تاريخ الطبري
صحيح وضعيف تاريخ الطبريالطبراني10h 57m$11 · $0.00
المنتخب من ذيل المذيل
المنتخب من ذيل المذيلالطبراني5h 9m$11 · $0.00
تاريخ الطبري
تاريخ الطبريالطبراني5h 3m$11 · $0.00
صحيح وضعيف تاريخ الطبري
صحيح وضعيف تاريخ الطبريالطبراني11h 1m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني13h 3m$11 · $0.00
تهذيب الآثار مسند ابن عباس
تهذيب الآثار مسند ابن عباسالطبراني16h 46m$11 · $0.00
الأحاديث الطوال
الأحاديث الطوالالطبراني1h 1m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني12h 30m$11 · $0.00
تهذيب الآثار - الجزء المفقود
تهذيب الآثار - الجزء المفقودالطبراني11h 53m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني11h 30m$11 · $0.00
موطأ مالك ت الأعظمي
موطأ مالك ت الأعظميمالك بن أنس7h 5m$11 · $0.00
رياض الصالحين ت الفحل
رياض الصالحين ت الفحلمحيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي11h 37m$11 · $0.00
تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثيرابن كثير16h 53m$11 · $0.00
المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذبالنووي15h 43m$11 · $0.00
مختصر الشمائل المحمدية
مختصر الشمائل المحمديةالترمذي2h 17m$11 · $0.00
صحيح البخاري
صحيح البخاريالبخاري5h 38m$11 · $0.00
صحيح مسلم
صحيح مسلممسلم بن الحجاج9h 10m$11 · $0.00
زاد المعاد في هدي خير العباد
زاد المعاد في هدي خير العبادابن القيم14h 45m$11 · $0.00
سنن أبي داود
سنن أبي داودأبو داود الأزدي6h 5m$11 · $0.00
جامع العلوم والحكم
جامع العلوم والحكمابن رجب الحنبلي17h 14m$11 · $0.00
السنن الصغرى للنسائي
السنن الصغرى للنسائيالنسائي4h 19m$11 · $0.00
إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان
إغاثة اللهفان في مصايد الشيطانابن قيم الجوزية11h 23m$11 · $0.00
سنن ابن ماجه
سنن ابن ماجهابن ماجه5h 31m$11 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني12h 19m$11 · $0.00
سير أعلام النبلاء ط الحديث
سير أعلام النبلاء ط الحديثالذهبي15h 1m$11 · $0.00
القرآن الكريم بصوت محمد جبريل
القرآن الكريم بصوت محمد جبريلالقرآن الكريم27h 6m$3 · $0.00
مسند أحمد ط الرسالة
مسند أحمد ط الرسالةأحمد بن حنبل12h 4m$11 · $0.00
فتح الباري لابن حجر
فتح الباري لابن حجرابن حجر العسقلاني15h 18m$11 · $0.00
موطأ مالك ت الأعظمي
موطأ مالك ت الأعظميمالك بن أنس1h 49m$11 · $0.00
تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثيرابن كثير19h 40m$11 · $0.00

You may also like

التحرير والتنوير
التحرير والتنويرابن عاشور16h 15m$11 · $0.00
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيميةابن تيمية11h 13m$11 · $0.00
معارج القبول بشرح سلم الوصول
معارج القبول بشرح سلم الوصولحافظ بن أحمد حكمي15h 58m$11 · $0.00
معارج القبول بشرح سلم الوصول
معارج القبول بشرح سلم الوصولحافظ بن أحمد حكمي15h 58m$11 · $0.00
شرح ديوان المتنبي للواحدي
شرح ديوان المتنبي للواحديالواحدي11h$11 · $0.00
فصوص الحكم
فصوص الحكممحيي الدين بن عربي15h 11m$4 · $0.00
تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثيرابن كثير16h 48m$11 · $0.00
تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثيرابن كثير162h 35m$6
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العبادالشمس الشامي37m$11 · $0.00
مجموع الفتاوى
مجموع الفتاوىابن تيمية17h 29m$11 · $0.00
فضائل القرآن
فضائل القرآنالنسائي49m$11 · $0.00
كرامات الأولياء للالكائي
كرامات الأولياء للالكائياللالكائي3h 58m$11 · $0.00
القرآن الكريم بصوت سعد الغامدي
القرآن الكريم بصوت سعد الغامديالقرآن الكريم24h 49m$3 · $0.00
مطلع النور
مطلع النورعباس محمود العقاد4h 19m$2 · $0.00
تفسير القرطبي
تفسير القرطبيالقرطبي2h 44m$11 · $0.00
القرآن الكريم بصوت الزين محمد أحمد
القرآن الكريم بصوت الزين محمد أحمدالقرآن الكريم23h 16m$3 · $0.00
تفسير العدل والاعتدال ج1
تفسير العدل والاعتدال ج1محمد بن عاشور20h 9m$3 · $0.00
تفسير الطبري
تفسير الطبريالطبراني13h 41m$11 · $0.00
الجامع الكبير
الجامع الكبيرجلال الدين السيوطي11h 27m$11 · $0.00
التنوير شرح الجامع الصغير
التنوير شرح الجامع الصغيرالصنعاني12h 17m$11 · $0.00