Length14h 5m
About this audiobook
جامع البيان في تفسير القرآن أو جامع البيان عن تأويل آي القرآن أو جامع البيان في تأويل القرآن المعروف بـ «تفسير الطبري» للإمام محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري، هو من أشهر الكتب الإسلامية المختصة بعلم تفسير القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة، ويُعِدُّه البعضِ المرجعَ الأول للتفسير
Audiobook details
GenreSpirituality and Religion
Length14 hrs 5 mins
Narrated byListen with 1,000+ voices
FormateBook with Audio
Publish dateNov 5, 1900
LanguageArabic
Table of contents
1تفسير الطبري الجزء 20
2الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا، وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَصَابَ هَؤلَاءِ الَّذِينَ فَعَلُوا مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فِعْلُ هَؤُلِاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا، يَعْنِي عُقُوبَاتِ ذُنُوبِهِمْ، وَنِقَمِ مَعَاصِيهِ الَّتِي اكْتَسَبُوهَا، {وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا
3وَقَوْلُهُ: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} النحل: 35 يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَهَلْ أَيُّهَا الْقَائِلُونَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا عَلَى رُسُلِنَا الَّذِينَ نُرْسِلُهُمْ بِإِنْذَارِكُمْ عُقُوبَتَنَا عَلَى كُفْرِكُمْ، إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، يَقُولُ: إِلَّا أَنْ تُبَلِّغَكُمْ مَا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الرِّسَالَةِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ {الْمُبِينُ} المائدة: 92 الَّذِي
4الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثَنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} النحل: 36 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ بَعَثَنَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ سَلَفَتْ قَبْلَكُمْ رَسُولًا كَمَا بَعَثَنَا
5{فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} آل عمران: 137 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ: إِنْ كُنْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ غَيْرَ مُصَدِّقِي رَسُولِنَا فِيمَا يُخْبِرُكُمْ بِهِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ الَّذِينَ حَلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ مِنْ بَأْسِنَا بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ، فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ الَّتِي كَانُوا يَسْكُنُونَهَا وَالْبِلَادِ الَّتِي
Show all chaptersShow less
6الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} النحل: 37 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ تَحْرِصْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى هُدَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} النحل: 37 وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ
7الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} النحل: 38 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَحَلَفَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ حَلِفُهُمْ، لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَكَذَبُوا وَأَبْطَلُوا فِي أَيْمَانِهِمُ الَّتِي
8الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} النحل: 39 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَلْ لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا، لِيُبَيِّنَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَبْعَثُ مَنْ يَمُوتُ وَلِغَيْرِهِمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ إِحْيَاءِ اللَّهِ خَلْقَهُ بَعْدَ فَنَائِهِمْ،
9الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} النحل: 41 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَبْعَثَ مَنْ يَمُوتُ فَلَا تَعَبَ عَلَيْنَا وَلَا نَصَبَ فِي
10وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظَلَمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} النحل: 41 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ فَارَقُوا قَوْمَهُمْ وَدُورَهُمْ وَأَوْطَانَهُمْ عَدَاوَةً لَهُمْ فِي اللَّهِ عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى آخَرِينَ غَيْرِهِمْ {مِنْ بَعْدِ مَا ظَلَمُوا} النحل: 41 يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا نِيلَ مِنْهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بِالْمَكَارِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي
11وَقَوْلُهُ: {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} النحل: 41 يَقُولُ: وَلَثَوَابُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى هِجْرَتِهِمْ فِيهِ فِي الْآخِرَةِ أَكْبَرُ، لِأَنَّ ثَوَابَهُ إِيَّاهُمْ هُنَالِكَ الْجَنَّةُ الَّتِي يَدُومُ نَعِيمُهَا وَلَا يَبِيدُ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
12الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} النحل: 42 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ، وَآتَيْنَاهُمُ الثَّوَابَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، الَّذِينَ صَبَرُوا فِي اللَّهِ عَلَى مَا نَابَهُمْ فِي الدُّنْيَا {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} الأنفال: 2 يَقُولُ: وَبِاللَّهِ يَثِقُونَ فِي أُمُورِهِمْ، وَإِلَيْهِ يَسْتَنِدُونَ فِي نَوَائِبِ الْأُمُورِ
13الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النحل: 43 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، لِلدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيدِنَا وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِنَا وَنَهْيِنَا، إِلَّا
14الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 44 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَرْسَلْنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ؟ وَمَا الْجَالِبُ لِهَذِهِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ {بِالْبَيِّنَاتِ} البقرة: 92 فَإِنْ قُلْتَ:
15وَقَوْلُهُ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} النحل: 44 يَقُولُ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْقُرْآنَ تَذْكِيرًا لِلنَّاسِ وَعِظَةً لَهُمْ {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} النحل: 44 يَقُولُ: لِتُعَرِّفَهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 44 يَقُولُ: وَلْيَتَذَكَّرُوا فِيهِ وَيَعْتَبِرُوا بِهِ، أَيْ بِمَا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ، وَقَدْ:
16الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} النحل: 45 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَامُوا أَنْ يَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ الَّذِينَ قَالُوا إِذْ
17الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} النحل: 46 أَوْ يُهْلِكَهُمْ فِي تَصَرُّفِهِمْ فِي الْبِلَادِ وَتَرَدُّدِهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ {فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} النحل: 46 يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ اللَّهَ مِنْ
18وَقَوْلُهُ: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} يَقُولُ: فَإِنَّ رَبَّكُمْ إنْ لَمْ يَأْخُذْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ بِعَذَابٍ مُعَجَّلٍ لَهُمْ، وَأَخَذَهُمْ بِمَوْتٍ وَتَنَقَّصَ بَعْضَهُمْ فِي أَثَرِ بَعْضٍ، لَرَءُوفٌ بِخَلْقِهِ، رَحِيمٌ بِهِمْ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ لَمْ يَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَلَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الْعَذَابَ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُهُمْ وَيُنْقِصُهُمْ بِمَوْتٍ
19الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ: {أَوَلَمْ يَرَوْا} الرعد: 41 بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ عَنِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ (أَوَلَمْ تَرَوْا) بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ. وَأَوْلَى
20الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِلَّهِ يَخْضَعُ وَيَسْتَسْلِمُ لَأَمْرِهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ يَدِبُّ عَلَيْهَا، وَالْمَلَائِكَةُ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ التَّذَلُّلِ لَهُ بِالطَّاعَةِ
21الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} النحل: 50 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَخَافُ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ إِنْ عَصَوْا أَمْرَهُ {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} النحل: 50 يَقُولُ: وَيَفْعَلُونَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيُؤَدُّونَ حُقُوقَهُ،
22الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} النحل: 51 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ: لَا تَتَّخِذُوا لِي شَرِيكًا أَيُّهَا النَّاسُ، وَلَا تَعْبُدُوا مَعْبُودَيْنِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا عَبَدْتُمْ مَعِي غَيْرِي جَعَلْتُمْ لِي شَرِيكًا، وَلَا شَرِيكَ لِي، إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ
23الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا، أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِلَّهِ مُلْكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُمْ، وَبِيَدِهِ حَيَاتُهُمْ وَمَوْتُهُمْ. وَقَوْلُهُ: {وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا}
24وَقَوْلُهُ: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} النحل: 52 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ تَتَّقُونَ، أَيْ تَرْهَبُونَ وَتَحْذَرُونَ أَنْ يَسْلُبَكُمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِإِخْلَاصِكُمُ الْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ، وَإِفْرَادِكُمُ الطَّاعَةَ لَهُ، وَمَا لَكُمْ نَافِعٌ سِوَاهُ
25الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} النحل: 53 اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: {فَمِنَ اللَّهِ} النساء: 79 فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: دَخَلَتِ الْفَاءُ، لِأَنَّ «مَا» بِمَنْزِلَةِ «مِنْ» فَجَعَلَ الْخَبَرَ بِالْفَاءِ وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: «مَا» فِي مَعْنَى
26{ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} النحل: 53 يَقُولُ: إِذَا أَصَابَكُمْ فِي أَبْدَانِكُمْ سَقَمٌ وَمَرَضٌ وَعِلَّةٌ عَارِضَةٌ وَشِدَّةٌ مِنْ عَيْشٍ، {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} النحل: 53 يَقُولُ: فَإِلَى اللَّهِ تَصْرُخُونَ بِالدُّعَاءِ وَتَسْتَغِيثُونَ بِهِ، لِيَكْشِفَ ذَلِكَ عَنْكُمْ وَأَصْلُهُ: مِنْ جُؤَارِ الثَّوْرِ، يُقَالُ مِنْهُ: جَأَرَ الثَّوْرُ يَجْأَرُ جُؤَارًا، وَذَلِكَ إِذَا رَفَعَ صَوْتًا شَدِيدًا مِنْ جُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ،
27الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} النحل: 55 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ إِذَا وَهَبَ لَكُمْ رَبُّكُمُ الْعَافِيَةَ، وَرَفَعَ عَنْكُمْ مَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْمَرَضِ فِي أَبْدَانِكُمْ وَمِنَ الشِّدَّةِ فِي مَعَاشِكُمْ، وَفَرَّجَ الْبَلَاءَ عَنْكُمْ، {إِذَا
28الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ، تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} النحل: 56 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَجْعَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا {نَصِيبًا} آل عمران: 23 يَقُولُ: حَظًّا وَجَزَاءً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ، إِشْرَاكًا مِنْهُمْ لَهُ، الَّذِي
29وَقَوْلُهُ: {تَالَلَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} النحل: 56 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهِ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الْجَاعِلُونَ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ نَصِيبًا فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ شِرْكًا بِاللَّهِ وَكُفْرًا، لَيَسْأَلَنَّكُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَفْتَرُونَ، يَعْنِي: تَخْتَلِقُونَ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْإِفْكِ عَلَى اللَّهِ بِدَعْوَاكُمْ لَهُ شَرِيكًا،
30الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُونَ للَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} النحل: 58 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ جَهْلِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَخُبْثِ فِعْلِهِمْ وَقُبْحِ فِرْيَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لِمَنْ خَلَقَهُمْ وَدَبَّرَهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَوْجَبَ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمُ
31وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} النحل: 58 يَقُولُ: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا للَّهِ الْبَنَاتِ بِوِلَادَةِ مَا يُضِيفُهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لَهُ، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا مِنْ كَرَاهَتِهِ لَهُ {وَهُوَ كَظِيمٌ} النحل: 58 يَقُولُ قَدْ كَظَمَ الْحُزْنَ، وَامْتَلَأَ غَمًّا بِوِلَادَتِهِ لَهُ، فَهُوَ لَا يُظْهِرُ ذَلِكَ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ
32وَقَوْلُهُ: {أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} النحل: 59 يَقُولُ: أَلَا سَاءَ الْحُكْمُ الَّذِي يَحْكُمُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، وَذَلِكَ أَنْ جَعَلُوا للَّهِ مَا لَا يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَجَعَلُوا لِمَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ شِرْكًا فِيمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، وعَبَدُوا غَيْرَ مَنْ خَلَقَهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ
33الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} النحل: 60 وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} النحل: 58 ، وَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا للَّهِ الْبَنَاتِ،
34وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} إبراهيم: 4 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَعَهَا عُقُوبَةُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَلَا عُقُوبَةُ مَنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ وَشَاءَهُ، لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ، وَالْأَمْرَ أَمْرُهُ، الْحَكِيمُ فِي
35الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} النحل: 61 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ} النحل: 61 عُصَاةَ بَنِي آدَمَ بِمَعَاصِيهِمْ، {مَا تَرَكَ عَلَيْهَا} النحل: 61 يَعْنِي عَلَى الْأَرْضِ {مِنْ دَابَّةٍ} الأنعام: 38 تَدِبُّ عَلَيْهَا
36الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُونَ للَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفَرِّطُونَ} النحل: 62 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَجْعَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ للَّهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} النحل: 62 يَقُولُ: وَتَقُولُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ وَتَفْتَرِيهِ {أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} النحل: 62 فَأَنَّ فِي
37وَقَوْلُهُ: {لَا جَرَمَ} هود: 22 كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: لَمْ تُنْصَبْ جَرَمَ بِ «لَا» كَمَا نُصِبَتِ الْمِيمُ مِنْ قَوْلِ: لَا غُلَامَ لَكَ، قَالَ: وَلَكِنَّهَا نُصِبَتْ لِأَنَّهَا فِعْلٌ مَاضٍ، مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَعَدَ فُلَانٌ وَجَلَسَ، وَالْكَلَامُ: لَا رَدَّ لِكَلَامِهِمْ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ هَكَذَا، جَرَمَ: كَسَبَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا أُقْسِمُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ
38وَقَوْلُهُ: {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} النحل: 62 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنَّهُمْ مُخَلَّفُونَ مَتْرُوكُونَ فِي النَّارِ، مَنْسِيُّونَ فِيهَا. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ
39الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} النحل: 64 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَنْزَلْنَا يَا مُحَمَّدُ عَلَيْكَ كِتَابَنَا وَبَعَثْنَاكَ رَسُولًا إِلَى خَلْقِنَا إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ دِينِ اللَّهِ،
40الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} النحل: 65 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُنَبِّهَ خَلْقِهِ عَلَى حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ فِي تَوْحِيدِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْأُلُوهَةُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَاهُ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَعْبُودَكُمُ الَّذِي لَهُ
41وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} النحل: 66 وَقَدْ ذَكَرَ الْأَنْعَامَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهِيَ جَمْعٌ وَالْهَاءُ فِي الْبُطُونِ مُوَحَّدَةٌ، فَإِنَّ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: النَّعَمُ وَالْأَنْعَامُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا جَمْعَانِ، فَرَدَّ الْكَلَامَ فِي قَوْلِهِ: {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} النحل: 66 إِلَى التَّذْكِيرِ مُرَادًا بِهِ مَعْنَى
42وَقَوْلُهُ: {مِنْ بَيْنَ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا} النحل: 66 يَقُولُ: نُسْقِيكُمْ لَبَنًا، نُخْرِجُهُ لَكُمْ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ خَالِصًا، يَقُولُ: خَلَصَ مِنْ مُخَالَطَةِ الدَّمِ وَالْفَرْثِ فَلَمْ يَخْتَلِطَا بِهِ {سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} النحل: 66 يَقُولُ: يَسُوغُ لِمَنْ شَرِبَهُ فَلَا يَغَصُّ بِهِ كَمَا يَغَصُّ الْغَاصُّ بِبَعْضِ مَا يَأْكُلُهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُغَصَّ أَحَدٌ بِاللَّبِنِ قَطُّ
43الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} النحل: 68 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَلْهَمَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ النَّحْلَ إِيحَاءً إِلَيْهَا {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا، وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} النحل: 68 يَعْنِي: مِمَّا يَبْنُونَ مِنَ السُّقُوفِ، فَرَفَعُوهَا بِالْبِنَاءِ. وَبِنَحْوِ
44الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 69 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ كُلِي أَيَّتُهَا النَّحْلُ مِنَ الثَّمَرَاتِ، {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ} النحل: 69 يَقُولُ: فَاسْلُكِي طُرُقَ رَبِّكِ {ذُلُلًا} النحل: 69 يَقُولُ: مُذَلَّلَةً لَكِ،
45وَقَوْلُهُ: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} النحل: 69 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ شَرَابٌ، وَهُوَ الْعَسَلُ، مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ، لِأَنَّ فِيهَا أَبْيَضَ، وَأَحْمَرَ، وَأَسْحَرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْوَانِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: «أَسْحَرَ» : أَلْوَانٌ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلُ أَبْيَضَ، يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ
46وَقَوْلُهُ: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} النحل: 69 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا عَادَتْ عَلَيْهِ الْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {فِيهِ} البقرة: 2 ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَادَتْ عَلَى الْقُرْآنِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِهَا
47وَقَوْلُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 11 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي إِخْرَاجِ اللَّهِ مِنْ بُطُونِ هَذِهِ النَّحْلِ: الشَّرَابَ الْمُخْتَلِفَ، الَّذِي هُوَ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ، لَدَلَالَةٌ وَحُجَّةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى مَنْ سَخَّرَ النَّحْلَ وَهَدَاهَا لِأَكْلِ الثَّمَرَاتِ الَّتِي تَأْكُلُ، وَاتِّخَاذِهَا الْبُيُوتَ الَّتِي تُنْحَتُ مِنَ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالْعُرُوشِ، وَأَخْرَجَ
48الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} النحل: 70 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَوْجَدَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، لَا الْآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ، فَاعْبُدُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ دُونَ غَيْرِهِ
49وَقَوْلُهُ: {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} النحل: 70 يَقُولُ: إِنَّمَا نَرُدُّهُ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِيَعُودَ جَاهِلًا كَمَا كَانَ فِي حَالِ طُفُولَتِهِ وَصِبَاهُ {بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} النحل: 70 يَقُولُ: لِئَلَّا يَعْلَمَ شَيْئًا بَعْدَ عِلْمٍ كَانَ يَعْلَمُهُ فِي شَبَابِهِ، فَذَهَبَ ذَلِكَ بِالْكِبَرِ وَنَسِيَ، فَلَا يَعْلَمُ مِنْهُ شَيْئًا، وَانْسَلَخَ مِنْ عَقْلِهِ، فَصَارَ مِنْ بَعْدِ عَقْلٍ كَانَ لَهُ لَا
50الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ، فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ، أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} النحل: 71 يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ أَيُّهَا النَّاسُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ الَّذِي رَزَقَكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَمَا الَّذِينَ فَضَّلَهُمُ اللَّهُ
