في عتمة "وادي الضياع"، حيث الصخور لا تحفظ سوى صدى الأنين، تنبتُ حكاياتٌ لا تشبه القصص المروية، بل تشبه الندوب التي يتركها الزمن على جبين الأوطان المنسية. هنا، لا يسرد فرح آدم فضل مجرد مأساة، بل ينبشُ في جروح الذاكرة الجماعية لشعبٍ حُكم عليه بأن يكون رقماً في سجلات الفقد.
تبدأ الرحلة بـ "تشي"، الشاب الذي قذفته الأقدار إلى جغرافيا لم يخترها، ليجد نفسه غريباً في جامعة "السلام" التي لم تمنحه سوى الأسئلة. وبين ردهات الجامعة ومعاناة السكن الطلابي التي تشبه السجون، يتقاطع مساره مع "جانا"؛ الحب الذي ولد كفراشة تحاول عبور عاصفة، حبٌّ واعٍ يدرك أن العاطفة في مجتمعٍ محاصر قد تكون جريمة. لكن "وادي الضياع" يمتد أبعد من حدود القلب، ليأخذنا في رحلة عبر تاريخ السودان الممتد من ممالك كرمة وكوش وحتى صخب الثورات الحديثة، باحثاً عن هوية ضاعت بين ثنايا الإهمال.
بين مناجم الذهب التي تُباع فيها كرامة الإنسان بأبخس الأثمان، وبين "تمبش" التي تلملم ذكريات قريتها لتصنع منها وطناً بديلاً لـ "تشي"، تنسج الرواية خيوط الأمل وسط دوي الرصاص. إنها مرثية للراحلين، وبصمةٌ للباقين، ودليلٌ دامغ على أن الحب هو القنديل الوحيد الذي لا يطفئه ظمأ الوادي. "وادي الضياع" ليست مجرد رواية؛ إنها صرخة إنسانية في وجه الظلم، ونداءٌ خفيّ يستنهض الوعي ليعيد كتابة تاريخٍ لم يكتمل بعد