Length13h 23m
About this audiobook
جامع البيان في تفسير القرآن أو جامع البيان عن تأويل آي القرآن أو جامع البيان في تأويل القرآن المعروف بـ «تفسير الطبري» للإمام محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري، هو من أشهر الكتب الإسلامية المختصة بعلم تفسير القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة، ويُعِدُّه البعضِ المرجعَ الأول للتفسير
Audiobook details
GenreSpirituality and Religion
Length13 hrs 23 mins
Narrated byListen with 1,000+ voices
FormateBook with Audio
Publish dateNov 5, 1900
LanguageArabic
Table of contents
1تفسير الطبري الجزء 3
119الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} البقرة: 123 وَهَذِهِ الْآيَةُ تَرْهِيبٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ سَلَفَتْ عِظَتُهُ إِيَّاهُمْ بِمَا وَعَظَهُمْ بِهِ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا. يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ: وَاتَّقُوا يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمُبَدِّلِينَ
2الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} البقرة: 91 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} البقرة: 91 وَيَجْحَدُونَ بِمَا وَرَاءَهُ، يَعْنِي بِمَا وَرَاءَ التَّوْرَاةِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ وَرَاءَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ سِوَى كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْحَسَنِ: مَا وَرَاءَ هَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ، يُرَادُ بِهِ لَيْسَ عِنْدَ
120الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}
3أَمَّا قَوْلُهُ: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} البقرة: 91 فَإِنَّهُ يَعْنِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ كَمَا زَعَمْتُمْ. وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَافَهُمْ، إِنْ كَانُوا وَكُنْتُمْ كَمَا تَزْعُمُونَ أَيُّهَا الْيَهُودُ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّمَا عَيَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَتْلِ أَوَائِلِهِمْ أَنْبِيَاءَهُ عِنْدَ
121يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِذِ ابْتَلَى} البقرة: 124 وَإِذَا اخْتَبَرَ، يُقَالُ مِنْهُ: ابْتُلِيتُ فُلَانًا أَبْتَلِيهِ ابْتِلَاءً. وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} النساء: 6 يَعْنِي بِهِ: اخْتَبِرُوهُمْ. وَكَانَ اخْتِبَارُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ اخْتِبَارًا بِفَرَائِضَ فَرَضَهَا عَلَيْهِ، وَأَمْرٍ أَمَرَهُ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَوْحَاهُنَّ إِلَيْهِ
4يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ} البقرة: 92 أَيْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ وَحَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ كَالْعَصَا الَّتِي تَحَوَّلَتْ ثُعْبَانًا مُبِينًا، وَيَدِهِ الَّتِي أَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ لِلنَّاظِرِينَ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَمَصِيرِ أَرْضِهِ لَهُ طَرِيقًا يَبَسًا، وَالْجَرَادِ وَالْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ، وَسَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي بَيَّنَتْ
122الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} البقرة: 124 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} البقرة: 124 فَقَالَ اللَّهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنِّي مُصَيِّرُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا يُؤْتَمُّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِهِ
5وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} البقرة: 51 فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَكُمْ وَعَبَدْتُمْ غَيْرَ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِ اللَّهِ. وَهَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لِلْيَهُودِ، وَتَعْيِيرٌ مِنْهُ لَهُمْ، وَإِخْبَارٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا
123الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} البقرة: 124 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ مَنْزِلَتَهُ وَكَرَّمَهُ، فَأَعْلَمَهُ مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ مِنْ تَصْيِيرِهِ إِمَامًا فِي الْخَيْرَاتِ لِمَنْ فِي عَصْرِهِ وَلِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَسَائِرِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ يُهْتَدَى بِهَدْيهِ وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ: يَا رَبِّ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
Show all chaptersShow less
6الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
124الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} البقرة: 124 هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ أَنَّ الظَّالِمَ لَا يَكُونُ إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ أَهْلُ الْخَيْرِ، وَهُوَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَوَابٌ لَمَّا تُوُهِّمَ فِي مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً مِثْلَهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ ذَلِكَ إِلَّا بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الظُّلْمِ مِنْهُمْ،
7يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} البقرة: 63 وَاذْكُرُوا إِذْ أَخَذْنَا عُهُودَكُمْ بِأَنْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنْ أَمْرِي، وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَيْتُكُمْ فِيهَا بِجِدٍّ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ وَنَشَاطٍ، فَأَعْطَيْتُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ مِيثَاقَكُمْ، إِذْ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْجَبَلَ
125الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}
8وَأَمَّا قَوْلُهُ: {قَالُوا سَمِعْنَا} البقرة: 93 فَإِنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْخِطَابِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ حِكَايَةً فَالْعَرَبُ تُخَاطِبُ فِيهِ ثُمَّ تَعُودُ فِيهِ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ وَتُخْبِرُ عَنِ الْغَائِبِ ثُمَّ تُخَاطِبُ كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ. فَكَذَلِكَ ذَلِكَ
126الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَمْنًا} البقرة: 125 وَالْأَمْنَ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَمِنَ يَأْمَنُ أَمْنًا وَإِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ أَمْنًا لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعَاذًا لِمَنِ اسْتَعَاذَ بِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَوْ لَقِيَ بِهِ قَاتَلَ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ لَمْ يَهْجُهُ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ، وَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {أَوَلَمْ
9الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} البقرة: 93 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ
127الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} البقرة: 125 اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} البقرة: 125 بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِاتِّخَاذِهِ مُصَلًّى؛ وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ الْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَقِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَبَعْضِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
10الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} البقرة: 93 يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِيَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: بِئْسَ الشَّيْءُ يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كَانَ يَأْمُرُكُمْ بِقَتْلِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَالتَّكْذِيبِ بِكُتُبِهِ، وَجُحُودِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ. وَمَعْنَى إِيمَانِهِمْ تَصْدِيقُهُمْ
128الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} البقرة: 125 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَعَهِدْنَا} البقرة: 125 وَأَمَرْنَا
11الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة: 94 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا احْتَجَّ اللَّهُ بِهَا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرَهِ، وَفَضَحَ بِهَا أَحْبَارَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ.
129الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}
12وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِنْ دُونِ النَّاسِ} البقرة: 94 فَإِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَنَا الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ جَمِيعِ النَّاسِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَوْلَهُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا مِنْ بَنِي آدَمَ إِخْبَارُ اللَّهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}
130يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} البقرة: 126 وَاذْكُرُوا إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ بَلَدًا آمِنًا، يَعْنِي بِقَوْلِهِ: آمِنًا: آمِنًا مِنَ الْجَبَابِرَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِ، وَمِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ أَنْ تَنَالَهُ، كَمَا تَنَالُ سَائِرَ الْبُلْدَانِ، مِنْ خَسْفٍ، وَائْتِفَاكٍ، وَغَرَقٍ،
13وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} البقرة: 94 فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ: تَشَهُّوهُ وَأَرِيدُوهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَأْوِيلِهِ: فَسَلُوا الْمَوْتَ. وَلَا يُعْرَفُ التَّمَنِّي بِمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ أَحْسِبُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَّهَ مَعْنَى الْأُمْنِيَّةِ إِذْ كَانَتْ مَحَبَّةَ النَّفْسِ وَشَهْوَتَهَا إِلَى مَعْنَى الرَّغْبَةِ وَالْمَسْأَلَةِ، إِذْ كَانَتِ
131الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ} البقرة: 126 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ} البقرة: 126 ثُمَّ أَدْفَعُهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَأَسُوقُهُ إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} الطور: 13 وَمَعْنَى الِاضْطِرَارِ: الْإِكْرَاهُ، يُقَالُ: اضْطَرَرْتُ فُلَانًا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ: إِذَا
14الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} البقرة: 95 وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الْيَهُودِ وَكَرَاهَتِهِمُ الْمَوْتَ وَامْتِنَاعِهِمْ عَنِ الْإِجَابَةِ إِلَى مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَالْوَعِيدُ بِهِمْ نَازِلٌ وَالْمَوْتُ بِهِمْ حَالٌّ،
132الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
15وَأَمَّا قَوْلُهُ: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} البقرة: 95 فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ بِمَا أَسْلَفَتْهُ أَيْدِيهِمْ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ عَلَى نَحْوِ مَا تَتَمَثَّلُ بِهِ الْعَرَبُ فِي كَلَامِهَا، فَتَقُولُ لِلرَّجُلِ يُؤْخَذُ بِجَرِيرَةٍ جَرَّهَا أَوْ جِنَايَةٍ جَنَاهَا فَيُعَاقَبُ عَلَيْهَا: نَالَكَ هَذَا بِمَا جَنَتْ يَدَاكَ، وَبِمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ، وَبِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ؛ فَتُضِيفُ ذَلِكَ إِلَى الْيَدِ،
133يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} البقرة: 127 وَاذْكُرُوا إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ. وَالْقَوَاعِدُ جَمْعُ قَاعِدَةٍ، يُقَالُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْ قَوَاعِدِ الْبَيْتِ قَاعِدَةٌ، وَلِلْوَاحِدَةِ مِنْ قَوَاعِدِ النِّسَاءِ وَعَجَائِزِهِنَّ قَاعِدٌ، فَتُلْغَى هَاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّهَا فَاعِلٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَعَدْتُ عَنِ
16الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}
134الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} البقرة: 127 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} البقرة: 127 يَقُولَانِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} البقرة: 127 وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
17يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} البقرة: 96 الْيَهُودَ، يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حِرْصًا عَلَى الْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا وَأَشَدَّهُمْ كَرَاهَةً لِلْمَوْتِ الْيَهُودَ
135الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة: 127 وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة: 127 إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ دُعَاءَنَا وَمَسْأَلَتَنَا إِيَّاكَ قَبُولَ مَا سَأَلْنَاكَ قَبُولَهُ مِنَّا مِنْ طَاعَتِكَ فِي بِنَاءِ بَيْتِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِبِنَائِهِ؛ الْعَلِيمُ بِمَا فِي ضَمَائِرِ نُفُوسِنَا مِنَ الْإِذْعَانِ لَكَ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَصِيرِ إِلَى
18الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} البقرة: 96 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} البقرة: 96 وَأَحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا عَلَى الْحَيَاةِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ أَشْجَعُ النَّاسِ وَمِنْ عَنْتَرَةَ، بِمَعْنَى: هُوَ أَشْجَعُ مِنَ النَّاسِ وَمِنْ عَنْتَرَةَ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} البقرة: 96 لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: ولَتَجِدَنَّ يَا
136الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ} البقرة: 128 وَهَذَا أَيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} البقرة: 128 يَعْنِيَانِ
19الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} البقرة: 96 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} البقرة: 96 وَاللَّهُ ذُو إِبْصَارٍ بِمَا يَعْمَلُونَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، بَلْ هُوَ بِجَمِيعِهَا مُحِيطٌ وَلَهَا حَافِظٌ ذَاكِرٌ حَتَّى يُذِيقَهُمْ بِهَا الْعِقَابَ جَزَاءَهَا. وَأَصْلُ بَصِيرٍ مُبْصِرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَبْصَرْتُ
137وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} البقرة: 128 فَإِنَّهُمَا خَصَّا بِذَلِكَ بَعْضَ الذُّرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ أَعْلَمَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِ هَذِهِ أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَنْ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ لِظُلْمِهِ وَفُجُورِهِ، فَخَصَّا بِالدَّعْوَةِ بَعْضَ ذُرِّيَّتِهِمَا. وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمَا عَنَيَا بِذَلِكَ الْعَرَبَ
20الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} البقرة: 97 أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ جَوَابًا لِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ زَعَمُوا أَنَّ جِبْرِيلَ عَدُوٌّ لَهُمْ، وَأَنَّ مِيكَائِيلَ وَلِيٌّ لَهُمْ. ثُمَّ
138الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} البقرة: 128 اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} البقرة: 128 بِمَعْنَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، أَيْ أَظْهِرْهَا لَأَعْيُنِنَا حَتَّى نَرَاهَا. وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يُسَكِّنُ الرَّاءَ مِنْ «أَرِنَا» ،
21وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْآيَةِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} البقرة: 97 فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِمَعَاشِرِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ جِبْرِيلَ لَهُمْ عَدُوٌّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ صَاحِبُ سَطَوَاتٍ وَعَذَابٍ وَعُقُوبَاتٍ لَا صَاحِبَ وَحْيٍ وَتَنْزِيلٍ وَرَحْمَةٍ، فَأَبَوُا اتِّبَاعَكَ
139الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتُبْ عَلَيْنَا} البقرة: 128 أَمَّا التَّوْبَةُ فَأَصْلُهَا الْأَوْبَةُ مِنْ مَكْرُوهٍ إِلَى مَحْبُوبٍ، فَتَوْبَةُ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّهِ: أَوْبَتُهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنْهُ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ وَالْإِقْلَاعِ عَنْهُ، وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الْعُودِ فِيهِ. وَتَوْبَةُ الرَّبِّ عَلَى عَبْدِهِ: عَوْدُهُ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ لَهُ عَنْ جُرْمِهِ وَالصَّفْعِ لَهُ عَنْ عُقُوبَةِ
22الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} البقرة: 97 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} البقرة: 97 الْقُرْآنَ. وَنَصَبَ مُصَدِّقًا عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} البقرة: 97 . فَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى قَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْقُرْآنِ، يَعْنِي بِذَلِكَ مُصَدِّقًا
140وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة: 128 فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَائِدُ عَلَى عِبَادِكَ بِالْفَضْلِ وَالْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، الرَّحِيمُ بِهِمْ، الْمُسْتَنْقِذُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُمْ بِرَحْمَتِكَ مِنْ هَلَكَتِهِ، الْمُنَجِّي مَنْ تُرِيدُ نَجَاتَهُ مِنْهُمْ بِرْأَفَتِكَ مِنْ سَخَطِكَ
23الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} البقرة: 97 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَهُدًى} البقرة: 97 وَدَلِيلٌ وَبُرْهَانٌ. وَإِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُدًى لِاهْتِدَاءِ الْمُؤْمِنِ بِهِ، وَاهْتِدَاؤُهُ بِهِ اتِّخَاذُهُ إِيَّاهُ هَادِيًا يَتْبَعُهُ وَقَائِدًا يَنْقَادُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ. وَالْهَادِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَا تَقَدَّمَ أَمَامَهُ، وَمِنْ
141الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكِ وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} البقرة: 129 وَهَذِهِ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وَهِيَ الدَّعْوَةُ الَّتِي كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَنَا دَعْوَةُ
24الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}
142وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} البقرة: 129 يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كِتَابَكَ الَّذِي تُوحِيهِ إِلَيْهِ
25وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ} البقرة: 98 مَنْ عَادَاهُ وَعَادَى جَمِيعَ مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ أَنَّ مَنَ عَادَى جِبْرِيلَ فَقَدْ عَادَاهُ وَعَادَى مِيكَائِيلَ وَعَادَى جَمِيعَ مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ، وَمَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ عَادَى اللَّهَ
143الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} البقرة: 129 وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ الْقُرْآنَ. وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى لِمَ سُمِّيَ الْقُرْآنُ كِتَابًا وَمَا تَأْوِيلُهُ. وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
26الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ}
144الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُزَكِّيهِمْ} البقرة: 129 قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ، وَأَنَّ مَعْنَى الزَّكَاةِ: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَيُزَكِّيهِمْ} البقرة: 129 فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: وَيُطَهِّرُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعُبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيُنَمِّيهِمْ وَيُكَثِّرُهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ
27يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ} البقرة: 99 أَيْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ عَلَامَاتٍ وَاضِحَاتٍ دَالَّاتٍ عَلَى نُبُوَّتِكَ. وَتِلْكَ الْآيَاتُ هِيَ مَا حَوَاهُ كِتَابُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَفَايَا عُلُومِ الْيَهُودِ وَمَكْنُونِ سَرَائِرِ أَخْبَارِهِمْ وَأَخْبَارِ أَوَائِلِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالنَّبَأُ
145الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} البقرة: 129 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: إِنَّكَ يَا رَبُّ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْقَوِيُّ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ، فَافْعَلْ بِنَا وَبِذُرِّيَّتِنَا مَا سَأَلْنَاهُ وَطَلَبْنَاهُ مِنْكَ. وَالْحَكِيمُ: الَّذِي لَا يَدْخُلُ تَدْبِيرَهُ خَلَلٌ وَلَا زَلَلٌ، فَأَعْطِنَا مَا يَنْفَعُنَا وَيَنْفَعُ ذُرِّيَّتَنَا، وَلَا يَنْقُصُكَ
28الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} البقرة: 99 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} البقرة: 99 وَمَا يَجْحَدُ بِهَا وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْكُفْرِ الْجُحُودُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. وَكَذَلِكَ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفِسْقِ وَأَنَّهُ الْخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ
146الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُرَغِّبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}
29اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حُكْمِ الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا} البقرة: 100 فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: هِيَ وَاوٌ تُجْعَلُ مَعَ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} البقرة: 87 قَالَ: وَهُمَا زَائِدَتَانِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ:
147يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يُرَغِّبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} البقرة: 130 وَأَيُّ النَّاسِ يَزْهَدُ فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَيَتْرُكُهَا رَغْبَةً عَنْهَا إِلَى غَيْرَهَا. وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لِاخْتِيَارِهِمْ مَا اخْتَارُوا مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ هِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الْمُسْلِمَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى
30وَأَمَّا قَوْلُهُ: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} البقرة: 100 فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كُلَّمَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَهْدًا وَوَاثَقُوهُ مَوْثِقًا نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَلِذَلِكَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ دَلَالَةً عَلَى الزِّيَادَةِ وَالتَّكْثِيرِ فِي عَدَدِ الْمُكَذِّبِينَ النَّاقِضِينَ عَهْدَ اللَّهِ عَلَى عَدَدِ
148الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} البقرة: 130 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} البقرة: 130 إِلَّا مَنْ سَفِهَتْ نَفْسُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى السَّفَهَ: الْجَهْلَ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ إِلَّا سَفِيهٌ جَاهِلٌ بِمَوْضِعِ حَظِّ نَفْسِهِ فِيمَا يَنْفَعُهَا وَيَضُرُّهَا فِي مَعَادِهَا
31الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}
149الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} البقرة: 130 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} البقرة: 130 وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَا إِبْرَاهِيمَ، وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {اصْطَفَيْنَاهُ} البقرة: 130 مِنْ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَالِاصْطِفَاءُ: الِافْتِعَالُ مِنَ الصَّفْوَةِ، وَكَذَلِكَ اصْطَفَيْنَا افْتَعَلْنَا مِنْهُ، صُيِّرَتْ تَاؤُهَا طَاءً لِقُرْبِ
32يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ} البقرة: 89 أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَعُلَمَاؤُهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
150الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} البقرة: 130 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} البقرة: 130 وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. وَالصَّالِحُ مِنْ بَنِي آدَمَ هُوَ الْمُؤَدِّي حُقُوقَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا لَهُ صَفِيٌّ،
33{رَسُولٌ} البقرة: 87 يَعْنِي بِالرَّسُولِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
151يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} البقرة: 131 إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَخْلِصْ لِي الْعِبَادَةَ، وَاخْضَعْ لِي بِالطَّاعَةِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْإِسْلَامِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
34وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} البقرة: 89 فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَدِّقُ التَّوْرَاةَ، وَالتَّوْرَاةُ تُصَدِّقُهُ فِي أَنَّهُ لِلَّهِ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إِلَى خَلْقِهِ. وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} البقرة: 101 فَإِنَّهُ لِلَّذِي هُوَ مَعَ الْيَهُودِ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ
152وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} البقرة: 131 فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ مُجِيبًا لِرَبِّهِ: خَضَعْتُ بِالطَّاعَةِ، وَأَخْلَصْتُ بِالْعِبَادَةِ لِمَالِكِ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ وَمُدَبِّرِهَا دُونَ غَيْرِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ إِذْ وَقْتٌ فَمَا الَّذِي وُقِّتَ بِهِ، وَمَا الَّذِي صِلَتُهُ؟ قِيلَ: هُوَ صِلَةٌ لِقَوْلِهِ: {وَلَقَدِ
35{نَبَذَ فَرِيقٌ} البقرة: 101 يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ جَحَدُوهُ وَرَفَضُوهُ بَعْدَ أَنْ كَانُوا بِهِ مُقِرِّينَ حَسَدًا مِنْهُمْ لَهُ وَبَغْيًا عَلَيْهِ
153الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
36وَقَوْلُهُ: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} البقرة: 101 وَهُمْ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ الْعِلْمَ بِالتَّوْرَاةِ وَمَا فِيهَا
154يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَوَصَّى بِهَا} البقرة: 132 وَوَصَّى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ؛ أَعْنِي بِالْكَلِمَةِ قَوْلَهُ: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} البقرة: 131 وَهِيَ الْإِسْلَامُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ وَالتَّوْحِيدُ لِلَّهِ، وَخُضُوعُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ لَهُ
37وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {كِتَابَ اللَّهِ} البقرة: 101 التَّوْرَاةَ
155وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} البقرة: 132 عَهِدَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِهِ
38وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} البقرة: 101 كَأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ فَنَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ بِتَرْكِهِمُ الْعَمَلَ بِمَا وَاثَقُوا اللَّهَ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْعَمَلَ بِمَا فِيهِ لَا يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقِهِ. وَهَذَا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِخْبَارٌ عَنْهُمْ
156وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيَعْقُوبُ} البقرة: 132 فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَوَصَّى بِذَلِكَ أَيْضًا يَعْقُوبُ بَنِيهِ
39الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ
157الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} البقرة: 132 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} البقرة: 132 إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ وَاجْتَبَاهُ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْأَلْفَ وَاللَّامَ فِي «الدِّينِ» ، لِأَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا مِنْ وَلَدِهِمَا وَبَنِيهِمَا بِذَلِكَ كَانُوا
40الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} البقرة: 102 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} البقرة: 102 الَّذِي تَتْلُو. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُو الشَّيَاطِينُ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {تَتْلُوا} البقرة: 102 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {تَتْلُوا} البقرة: 102 تُحَدِّثُ وَتَرْوِي وَتَتَكَلَّمُ بِهِ وَتُخْبِرُ، نَحْوَ تِلَاوَةِ الرَّجُلِ
158الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إِلَاهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}
41الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} البقرة: 102 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} البقرة: 102 فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ فِي مَوْضِعَ عَلَى وَعَلَى فِي مَوْضِعِ فِي، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} طه: 71 يَعْنِي بِهِ: عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَكَمَا قَالَ: فَعَلْتُ كَذَا فِي عَهْدِ كَذَا
159يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} البقرة: 133 أَكُنْتُمْ، وَلَكِنَّهُ اسْتَفْهَمَ بِ أَمْ إِذْ كَانَ اسْتِفْهَامًا مُسْتَأْنَفًا عَلَى كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ، كَمَا قِيلَ: {الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} السجدة: 2 ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ اسْتِفْهَامٍ ابْتَدَأَتْهُ بَعْدَ كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ تَسْتَفْهِمُ فِيهِ بِ (أَمْ) ،
42الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} البقرة: 102 إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا هَذَا الْكَلَامُ مِنْ قَوْلِهِ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} البقرة: 102 وَلَا خَبَرَ مَعَنَا قَبْلُ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ أَضَافَ الْكُفْرَ إِلَى سُلَيْمَانَ، بَلْ إِنَّمَا ذَكَرَ اتِّبَاعَ مَنِ اتَّبَعَ مِنَ الْيَهُودِ
160الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَاءِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ} البقرة: 133 إِذْ قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ. وَإِذْ هَذِهِ مُكَرَّرَةٌ إِبْدَالًا مِنْ إِذِ الْأُولَى بِمَعْنَى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ
43الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} البقرة: 102 اخْتَلَفَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} البقرة: 102 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ الْجَحْدُ وَهِيَ بِمَعْنَى لَمْ
161الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
44وَأَمَّا قَوْلُهُ {بِبَابِلَ} البقرة: 102 فَإِنَّهُ اسْمُ قَرْيَةٍ أَوْ مَوْضِعٌ مِنْ مَوَاضِعِ الْأَرْضِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا بَابِلُ دَنْبَاوَنْدَ
162يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} البقرة: 134 إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَوَلَدَهُمْ. يَقُولُ لِلْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى دَعُوا ذِكْرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ بِغَيْرِ مَا هُمْ أَهْلُهُ وَلَا تَنْحِلُوهُمْ كُفْرَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَتُضِيفُوهَا إِلَيْهِمْ،
45الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} البقرة: 102 وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَمَا يَعْلَمُ الْمَلَكَانِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ حَتَّى يَقُولَا لَهُ: إِنَّمَا نَحْنُ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ لِبَنِي آدَمَ فَلَا تَكْفُرْ بِرَبِّكَ
163وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} البقرة: 134 أَيْ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَلَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ مَا عَمِلْتُمْ. وَلَا تُؤَاخَذُونَ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّاحِلُونَ مَا نَحَلْتُمُوهُمْ مِنَ الْمِلَلِ، فَسَأَلُوا عَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَوَلَدُهُمْ يَعْمَلُونَ فَيَكْسِبُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ،
46الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} البقرة: 102 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} البقرة: 102 خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ عَنِ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ بِجَوَابٍ لِقَوْلِهِ: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} البقرة: 102 بَلْ هُوَ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ وَلِذَلِكَ رُفِعَ، فَقِيلَ: فَيَتَعَلَّمُونَ.
164الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
47الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} البقرة: 102 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} البقرة: 102 وَمَا الْمُتَعَلِّمُونَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، بِضَارِّينَ بِالَّذِي تَعَلَّمُوهُ مِنْهُمَا مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ
165يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} البقرة: 135 وَقَالَتِ الْيَهُودُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا هُودًا تَهْتَدُوا، وَقَالَتِ النَّصَارَى لَهُمْ: كُونُوا نَصَارَى تَهْتَدُوا. تَعْنِي بِقَوْلِهَا تَهْتَدُوا: أَيْ تُصِيبُوا طَرِيقَ الْحَقِّ
48الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} البقرة: 102 يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَيَتَعَلَّمُونَ} البقرة: 102 أَيْ النَّاسُ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ، مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا السِّحْرَ الَّذِي يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ فِي مَعَادِهِمْ. فَأَمَّا فِي
166الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} البقرة: 135 الْمِلَّةُ: الدِّينُ. وَأَمَّا الْحَنِيفُ: فَإِنَّهُ الْمُسْتَقِيمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي تُقْبِلُ إِحْدَى قَدَمَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى إِنَّمَا قِيلَ لَهُ أَحْنَفُ نَظَرًا لَهُ إِلَى السَّلَامَةِ، كَمَا قِيلَ لِلْمَهْلَكَةِ مِنَ الْبِلَادِ: الْمَفَازَةُ، بِمَعْنَى الْفَوْزِ بِالنَّجَاةِ
49الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} البقرة: 102 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} البقرة: 102 الْفَرِيقَ الَّذِينَ لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ، نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ {وَاتَّبَعُوا مَا
167وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} البقرة: 135 يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَدِينُ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ. وَلَا كَانَ مِنَ الْيَهُودِ. وَلَا مِنَ النَّصَارَى، بَلْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا
50الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} البقرة: 102 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَوْا: بَاعُوا؛ فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَلَبِئْسَ مَا بَاعَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ تَعَلُّمِ السِّحْرِ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ سُوءَ عَاقِبَتِهِ
168الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: قُولُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ
51يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا} البقرة: 103 لَوْ أَنَّ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ آمَنُوا، فَصَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَاتَّقَوْا رَبَّهُمْ فَخَافُوهُ فَخَافُوا عِقَابَهُ، فَأَطَاعُوهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَتَجَنَّبُوا مَعَاصِيهِ؛ لَكَانَ جَزَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ
169وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} البقرة: 136 صَدَّقْنَا أَيْضًا وَآمَنَّا بِمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ
52الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
170وَقَوْلُهُ، {وَمَا أُوتِي مُوسَى وَعِيسَى} البقرة: 136 يَعْنِي: وَآمَنَّا أَيْضًا بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي آتَاهَا اللَّهُ مُوسَى، وَبِالْإِنْجِيلِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ عِيسَى، وَالْكُتُبِ الَّتِي آتَى النَّبِيِّينَ كُلَّهُمْ، وَأَقْرَرْنَا وَصَدَّقْنَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَقٌّ وَهُدًى وَنُورٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَأَنَّ جَمِيعَ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ كَانُوا عَلَى حَقٍّ وَهُدًى يُصَدِّقُ بَعْضُهُمْ
53اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {لَا تَقُولُوا رَاعَنَا} البقرة: 104 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ لَا تَقُولُوا خِلَافًا
171{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} البقرة: 136 يَقُولُ: لَا نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وَنَتَبَرَّأُ مِنْ بَعْضٍ، وَنَتَوَلَّى بَعْضًا، كَمَا تَبَرَّأَتِ الْيَهُودُ مِنْ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَأُقِرَّتْ بِغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَمَا تَبَرَّأَتِ النَّصَارَى مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُقِرَّتْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ بَلْ نَشْهَدُ لِجَمِيعِهِمْ
54الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا انْظُرْنَا} البقرة: 104 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَقُولُوا انْظُرْنَا} البقرة: 104 وَقُولُوا يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْتَظِرْنَا وَارْقُبْنَا نَفْهَمْ وَنَتَبَيَّنْ مَا تَقُولُ لَنَا وَتُعَلِّمُنَا
172وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} البقرة: 133 فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنَحْنُ لَهُ خَاضِعُونَ بِالطَّاعَةِ، مُذْعِنُونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ. فَذَكَرَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ، فَكَفَرُوا بِعِيسَى وَبِمَنْ يُؤْمِنُ بِهِ
55الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} البقرة: 104 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَاسْمَعُوا} البقرة: 93 وَاسْمَعُوا مَا يُقَالُ لَكُمْ وَيُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ رَبِّكُمْ وَعُوهُ وَافْهَمُوهُ
173الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
56الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}
174يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} البقرة: 137 فَإِنْ صَدَّقَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى، وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَقَرُّوا بِذَلِكَ مِثْلَ مَا صَدَّقْتُمْ أَنْتُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَأَقْرَرْتُمْ،
57يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مَا يَوَدُّ} البقرة: 105 مَا يُحِبُّ، أَيْ لَيْسَ يُحِبُّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، يُقَالُ مِنْهُ: وَدَّ فُلَانٌ كَذَا يَوَدُّ وَدًّا وَوُدًّا وَمَوَدَّةً. وَأَمَّا «الْمُشْرِكِينَ» فَإِنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالْعَطْفِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ: مَا يُحِبُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
175الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} البقرة: 137 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ تَوَلَّوْا} البقرة: 137 وَإِنْ تَوَلَّى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، فَأَعْرَضُوا، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِمِثْلِ إِيمَانِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ،
58الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} البقرة: 105 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} البقرة: 105 وَاللَّهُ يَخْتَصُّ مَنْ يَشَاءُ بِنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ فَيُرْسِلُهُ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، فَيَتَفَضَّلُ بِالْإِيمَانِ عَلَى مَنْ أَحَبَّ فَيَهْدِيهِ لَهُ. وَاخْتِصَاصُهُ إِيَّاهُمْ بِهَا إِفْرَادُهُمْ
176الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة: 137 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} البقرة: 137 فَسَيَكْفِيكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} البقرة: 135 مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، إِنْ هُمْ تَوَلَّوْا عَنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمِثْلِ إِيمَانِ أَصْحَابِكَ بِاللَّهِ،
59الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٍ}
177الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} البقرة: 138 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالصِّبْغَةِ: صَبْغَةَ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَىَ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُنَصِّرَ أَطْفَالَهُمْ جَعَلَتْهُمْ فِي مَاءٍ لَهُمْ تَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا تَقْدِيسٌ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الْجَنَابَةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ صِبْغَةٌ لَهُمْ فِي
60يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} البقرة: 106 إِلَى غَيْرِهِ، فَنُبَدِّلُهُ وَنُغَيِّرُهُ. وَذَلِكَ أَنْ يُحَوِّلَ الْحَلَالَ حَرَامًا وَالْحَرَامَ حَلَالًا، وَالْمُبَاحَ مَحْظُورًا وَالْمَحْظُورَ مُبَاحًا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالِإْطَلَاقِ وَالْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ، فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَلَا يَكُونُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ. وَأَصْلُ
178الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} البقرة: 138 وَقَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} البقرة: 138 أَمْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَهُ وَلِمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} البقرة: 135 فَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ بَلْ نَتَّبِعُ
61الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ نُنْسِهَا} البقرة: 106 اخْتَلَفَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهَا قُرَّاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: {أَوْ نُنْسِهَا} البقرة: 106 وَلِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ: مَا نَنْسَخْ يَا مُحَمَّدُ مِنْ آيَةٍ فَنُغَيِّرُ حُكْمَهَا أَوْ نُنْسِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ:
179الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ}
62الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} البقرة: 106 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}
180يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ} البقرة: 139 قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمَعَاشِرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا، وَزَعَمُوا أَنَّ دِينَهُمُ خَيْرٌ مِنْ دِينِكُمْ، وَكِتَابَهُمْ خَيْرٌ مِنْ كِتَابِكُمْ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ كِتَابِكُمْ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكَ:
63الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة: 106 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة: 106 أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنِّي قَادِرٌ عَلَى تَعْوِيضِكَ مِمَّا نَسَخْتُ مِنْ أَحْكَامِي وَغَيَّرْتُهُ مِنْ فَرَائِضِي الَّتِي كُنْتُ افْتَرَضْتُهَا عَلَيْكَ مَا أَشَاءُ مِمَّا هُوَ خَيْرٌ لَكَ وَلِعِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَعَكَ
181وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} البقرة: 139 قُلْ أَتُخَاصِمُونَنَا وَتُجَادِلُونَنَا
64أَمَّا قَوْلُهُ: {لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَلَمْ يَقُلْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مُلْكَ السُّلْطَانِ وَالْمَمْلَكَةُ دُونَ الْمِلْكِ، وَالْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتِ الْخَبَرَ عَنِ الْمَمْلَكَةِ الَّتِي هِيَ مَمْلَكَةُ سُلْطَانٍ، قَالَتْ: مَلَكَ اللَّهُ الْخَلْقَ مُلْكًا، وَإِذَا أَرَادَتِ الْخَبَرَ عَنِ الْمَلِكِ قَالَتْ: مَلَكَ فُلَانٌ هَذَا الشَّيْءَ فَهُوَ يَمْلِكُهُ مَلَكًا
182فَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} البقرة: 139 فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَنَحْنُ لِلَّهِ مُخْلِصُو الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَلَا نَعْبُدُ غَيْرَهُ أَحَدًا، كَمَا عَبَدَ أَهْلُ الْأَوْثَانِ مَعَهُ الْأَوْثَانَ، وَأَصْحَابُ الْعِجْلِ مَعَهُ الْعِجْلَ. وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَوْبِيخٌ لِلْيَهُودِ وَاحْتِجَاجٌ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ
65الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} البقرة: 108 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
183الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: {أَمْ تَقُولُونَ} البقرة: 80 بِالتَّاءِ، فَمَنْ
66الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} البقرة: 108 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ} البقرة: 108 وَمَنْ يَسْتَبْدِلِ الْكُفْرَ؛ وَيَعْنِي بِالْكُفْرِ: الْجُحُودَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ {بِالْإِيمَانِ} البقرة: 108 ، يَعْنِي بِالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ. وَقَدْ قِيلَ عُنِيَ بِالْكُفْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الشِّدَّةُ وَبِالْإِيمَانِ الرَّخَاءُ. وَلَا
184الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} البقرة: 140 يَعْنِي: فَإِنْ زَعَمَتْ يَا مُحَمَّدُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، فَمَنْ أَظْلَمُ مِنْهُمْ؟ يَقُولُ: وَأَيُّ امْرِئٍ أَظْلِمُ
67الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة: 109 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ صَرَّحَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، بِأَنَّ خِطَابَهُ
185الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
68الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} البقرة: 109 وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} البقرة: 109 أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوَدُّونَ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَودُّونَهُ لَهُمْ مِنَ الرِّدَّةِ عَنْ إِيمَانِهِمْ إِلَى الْكُفْرِ حَسَدًا مِنْهُمْ وَبَغْيًا عَلَيْهِمْ. وَالْحَسَدُ إِذًا مَنْصُوبٌ عَلَى غَيْرِ النَّعْتِ
186يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {تِلْكَ أُمَّةٌ} البقرة: 134 إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ
69وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} البقرة: 109 فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: لِي عِنْدَكَ كَذَا وَكَذَا، بِمَعْنَى: لِي قِبَلَكَ
187الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: " {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
70الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} البقرة: 109 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} البقرة: 109 أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لِهَؤُلَاءِ الْكَثِيرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَوَدُّونَ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَكُمْ كُفَّارًا مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمُ الْحَقُّ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ وَالْمِلَّةِ
188" الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: " {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} البقرة: 142 " يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مَا وَلَّاهُمْ} البقرة: 142 أَيُّ شَيْءٍ صَرَفَهُمْ عَنْ قِبَلِهِمْ؟ وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَلَّانِي فُلَانٌ دُبُرَهُ: إِذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ عَنْهُ وَاسْتَدْبَرَهُ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَا وَلَّاهُمْ} البقرة: 142 أَيُّ شَيْءٍ حَوَّلَ وُجُوهَهُمْ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ: {عَنْ قِبْلَتِهِمُ}
71الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} البقرة: 109 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاعْفُوا} البقرة: 109 فَتَجَاوَزُوا عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ إِسَاءَةٍ وَخَطَأٍ فِي رَأْيٍ أَشَارُوا بِهِ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ، إِرَادَةَ صَدِّكُمْ عَنْهُ، وَمُحَاوَلَةَ ارِتِدَادِكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ وَعَمَّا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ قِيلِهِمْ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
189ذِكْرُ الْمُدَّةِ الَّتِي صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَا كَانَ سَبَبُ صَلَاتِهِ نَحْوَهُ؟ وَمَا الَّذِي دَعَا الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ إِلَى قِيلِ مَا قَالُوا عِنْدَ تَحْوِيلِ اللَّهِ قِبْلَةَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
72الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة: 20 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْقَدِيرِ وَأَنَّهُ الْقَوِيُّ. فَمَعْنَى الْآيَةِ هَهُنَا: أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ مَا يَشَاءُ بِالَّذِينَ وَصَفْتُ لَكُمْ أَمْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ قَدِيرٌ، إِنْ شَاءَ الِانْتِقَامَ مِنْهُمْ بِعِنَادِهِمْ رَبَّهُمْ وَإِنْ شَاءَ هَدَاهُمْ
190ذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَجْلِهِ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ شَطْرَ الْكَعْبَةِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
73وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} البقرة: 110 فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: وَمَهْمَا تَعْمَلُوا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي أَيَّامِ حَيَاتِكُمْ فَتُقَدِّمُوهُ قَبْلَ وَفَاتِكُمْ ذُخْرًا لِأَنْفُسِكُمْ فِي مَعَادِكُمْ، تَجِدُوا ثَوَابَهُ عِنْدَ رَبِّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجَازِيكُمْ بِهِ. وَالْخَيْرُ: هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي يَرْضَاهُ اللَّهُ. وَإِنَّمَا
191ذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ قَالَ مَنْ قَالَ {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} البقرة: 142 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا مَا
74الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} البقرة: 110 وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ مَهْمَا فَعَلُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فَهُوَ بِهِ بَصِيرٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيَجْزِيهِمْ بِالْإِحْسَانِ جَزَاءَهُ وَبِالْإِسَاءَةِ مِثْلَهَا. وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ
192الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} البقرة: 142 يَعْنِي بِذَلِكَ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ:: مَا وَلَّاكُمْ عَنْ قِبْلَتَكُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا إِلَى التَّوَجُّهِ إِلَى شَطْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: لِلَّهِ مُلْكُ الْمَشْرِقِ
75الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}
193الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
76يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَقَالُوا} البقرة: 80 وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ} البقرة: 111 . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ جَمَعَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي هَذَا الْخَبَرِ مَعَ اخْتِلَافِ مَقَالَةِ الْفَرِيقَيْنِ، وَالْيَهُودُ تَدْفَعُ النَّصَارَى عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا فِي ثَوَابِ اللَّهِ نَصِيبٌ، وَالنَّصَارَى تَدْفَعُ الْيَهُودَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى
194يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} البقرة: 143 كَمَا هَدَيْنَاكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَخَصَصْنَاكُمُ بِالتَّوْفِيقِ لِقِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمِلَّتِهِ، وَفَضَّلْنَاكُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ؛ كَذَلِكَ خَصَصْنَاكُمْ فَفَضَّلْنَاكُمْ عَلَى غَيْرِكُمْ مِنْ أَهْلِ
77وَأَمَّا قَوْلُهُ: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} البقرة: 111 فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} البقرة: 111 أَنَّهُ أَمَانِيُّ مِنْهُمْ يَتَمَنَّوْنَهَا عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ حَقَّ وَلَا حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ وَلَا يَقِينٍ عُلِمَ بِصِحَّةِ مَا يَدْعُونَ، وَلَكِنْ بِادِّعَاءِ الْأَبَاطِيلِ وَأَمَانِي النُّفُوسِ الْكَاذِبَةِ
195ذِكْرُ مَنْ قَالَ: الْوَسَطُ: الْعَدْلُ
78وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} البقرة: 111 فَإِنَّهُ: أَحْضِرُوا وَأْتُوا بِهِ
196قَوْلِهِ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} البقرة: 143 يَعْنِي بِإِيمَانِهِمْ بِهِ، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ
79الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
197الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} البقرة: 143 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} البقرة: 143 وَلَمْ نَجْعَلْ صَرْفَكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا يَا مُحَمَّدُ فَصَرَفْنَاكَ عَنْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُكَ مِمَّنْ لَا
80يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ} البقرة: 112 أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ الزَّاعِمُونَ {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} البقرة: 111 وَلَكِنْ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ، فَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُهَا وَيَنْعَمُ فِيهَا
198فَكَأَنَّ مَعْنَى قَائِلِ هَذَا الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} البقرة: 143 إِلَّا لِنُبَيِّنَ لَكُمْ أَنَّا نَعْلَمُ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ وَجْهًا لَهُ مَخْرَجٌ، فَبِعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قِيلَ: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} البقرة: 143 وَهُوَ بِذَلِكَ عَالِمٌ قَبْلَ كَوْنِهِ وَفِي كُلِّ حَالٍ عَلَى وَجْهِ التَّرَفُّقِ بِعِبَادِهِ،
81وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} البقرة: 112 فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ فِي حَالِ إِحْسَانِهِ. وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: بَلَى مَنْ أَخْلَصَ طَاعَتَهُ لِلَّهِ وَعِبَادَتَهُ لَهُ مُحْسِنًا فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ
199الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} البقرة: 143 قِيلَ: عَنَى بِالْإِيمَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الصَّلَاةَ. ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ بِذَلِكَ
82الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} البقرة: 113 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ
200الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} إِنَّ اللَّهَ بِجَمِيعِ عِبَادِهِ ذُو رَأْفَةٍ. وَالرَّأْفَةُ أَعْلَى مَعَانِي الرَّحْمَةِ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا وَلِبَعْضِهِمْ فِي الْآخِرَةِ. وَأَمَّا الرَّحِيمُ، فَإِنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي
83وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} البقرة: 113 فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ كِتَابَ اللَّهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَهُمَا شَاهِدَانِ عَلَى فَرِيقَيِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكُفْرِ، وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ فِيهِ
201الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} البقرة: 144 يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَدْ نَرَى يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ تَقَلُّبَ
84الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} البقرة: 113 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}
202فَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} البقرة: 144 فَإِنَّهُ يَعْنِي: فَلَنَصْرِفَنَّكَ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى قِبْلَةٍ تَرْضَاهَا تَهْوَاهَا وَتُحِبُّهَا
85الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} البقرة: 113 يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَاللَّهُ يَقْضِي فَيَفْصِلُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ الْقَائِلُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ يَوْمَ قِيَامِ الْخَلْقِ لِرَبِّهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، فَيَتَبَيَّنَ الْمُحِقُّ مِنْهُمْ مِنَ الْمُبْطِلِ بِإِثَابَةِ الْمُحِقِّ
203وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} البقرة: 144 يَعْنِي اصْرِفْ وَجْهَكَ وَحَوِّلْهُ
86الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} البقرة: 114 قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ الظُّلْمِ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ
204الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: فَأَيْنَمَا كُنْتُمْ مِنَ الْأَرْضِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَحَوِّلُوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتِلْقَاءَهُ. وَالْهَاءُ الَّتِي فِي «شَطْرِهِ» عَائِدَةٌ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَأَوْجَبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
87وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ} البقرة: 114 وَأَيُّ امْرِئٍ أَشَدُّ تَعَدِّيًا وَجَرَاءَةً عَلَى اللَّهِ وَخِلَافًا لِأَمْرِهِ مِنِ امْرِئٍ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ فِيهَا؟ وَالْمَسَاجِدُ جَمْعُ مَسْجِدٍ: وَهُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ عُبِدَ اللَّهُ فِيهِ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى السُّجُودِ فِيمَا مَضَى فَمَعْنَى الْمَسْجِدِ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْجَدُ لِلَّهِ فِيهِ، كَمَا يُقَالُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي
205الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} البقرة: 74 يَعْنِي بِذَلِكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَلَيْسَ اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي اتَّبَاعِكُمُ أَمْرَهُ وَانْتَهَائِكُمْ إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا أَلَزَمَكُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ وَإِيمَانِكُمْ بِهِ فِي صَلَاتِكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ صَلَاتِكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،
88وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} البقرة: 114 فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، فَتَكُونُ أَنْ حِينَئِذٍ نَصَبًا مِنْ قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِفَقْدِ الْخَافِضِ وَتُعَلُّقِ الْفِعْلِ بِهَا. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ أَنْ
206الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} البقرة: 145 يَعْنِي بِذَلِكَ تَبَارَكَ اسْمُهُ: وَلَئِنْ جِئْتَ يَا مُحَمَّدُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِكُلِّ
89وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} البقرة: 114 فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَمِمَّنْ سَعَى فِي خَرَابِ مَسَاجِدِ اللَّهِ. فَ «سَعَى» إِذًا عَطْفٌ عَلَى «مَنَعَ» . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَنِ الَّذِي عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} البقرة: 114 وَأَيُّ
207وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} البقرة: 145 فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَمَا الْيَهُودُ بِتَابِعَةٍ قِبْلَةَ النَّصَارَى، وَلَا النَّصَارَى بِتَابِعَةٍ قِبْلَةَ الْيَهُودِ فَمُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَهَا
90الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} البقرة: 114 وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، أَنَّهُ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ دُخُولَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي سَعَوْا فِي تَخْرِيبِهَا وَمَنَعُوا عِبَادَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا مَا دَامُوا عَلَى مُنَاصَبَةِ
208الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَي: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} البقرة: 145 يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} البقرة: 120 وَلَئِنِ الْتَمَسْتَ يَا مُحَمَّدُ رِضَا هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} البقرة: 135 ، فَاتَّبَعْتَ قِبْلَتَهُمْ يَعْنِي
91الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
209الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
92يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} البقرة: 115 لِلَّهِ مُلْكُهُمَا وَتَدْبِيرُهُمَا، كَمَا يُقَالُ: لِفُلَانٍ هَذِهِ الدَّارُ، يَعْنِي بِهَا أَنَّهَا لَهُ مِلْكًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} البقرة: 115 يَعْنِي أَنَّهُمَا لَهُ مِلْكًا وَخَلْقًا. وَالْمَشْرِقُ: هُوَ مَوْضِعُ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَهُوَ مَوْضِعُ طُلُوعِهَا، كَمَا يُقَالُ لِمَوْضِعِ طُلُوعِهَا مِنْهُ
210يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ} البقرة: 146 أَحْبَارَ الْيَهُودِ، وَعُلَمَاءَ النَّصَارَى. يَقُولُ: يَعْرِفُ هَؤُلَاءِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ، وَالْعُلَمَاءِ مِنَ النَّصَارَى أَنَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِبْلَتُهُمْ، وَقِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَقِبْلَةُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ
93وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَأَيْنَمَا} البقرة: 115 فَإِنَّ مَعْنَاهُ: حَيْثُمَا
211الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} البقرة: 146 يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنْ طَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَهُمُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى
94وَأَمَّا قَوْلُهُ: {تُوَلُّوا} البقرة: 115 فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِهِ أَنْ يَكُونَ تُوَلُّونَ نَحْوَهُ وَإِلَيْهِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: وَلَّيْتُ وَجْهِي نَحْوَهُ وَوَلَّيْتُهُ إِلَيْهِ، بِمَعْنَى: قَابَلْتُهُ وَوَاجَهْتُهُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلَهُ وَشُذُوذٌ مِنْ تَأَوَّلِهِ بِمَعْنَى: تُوَلُّونَ عَنْهُ فَتَسْتَدْبِرُونَهُ،
212الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكِ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} البقرة: 147 يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْحَقَّ مَا أَعْلَمَكَ رَبُّكَ وَأَتَاكَ مِنْ عِنْدِهِ، لَا مَا يَقُولُ لَكَ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى. وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَبَرٌ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَنِّ الْقِبْلَةَ الَّتِي وَجَّهَهُ نَحْوَهَا هِيَ
95وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَثَمَّ} البقرة: 115 فَإِنَّهُ بِمَعْنَى: هُنَالِكَ وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} البقرة: 115 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ: وَجْهَهُ الَّذِي وَجَّهَهُمْ إِلَيْهِ
213الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
96الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة: 115 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَاسِعٌ} البقرة: 115 يَسَعُ خَلْقَهُ كُلَّهُمْ بِالْكِفَايَةِ وَالْأَفْضَالِ وَالْجُودِ وَالتَّدْبِيرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {عَلِيمٌ} البقرة: 29 فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ عَلِيمٌ بِأَفْعَالِهِمْ لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ، بَلْ هُوَ بِجَمِيعِهَا عَلِيمٌ
214يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلِكُلٍّ} البقرة: 148 وَلِكُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ، فَحَذَفَ أَهْلَ الْمِلَّةِ وَاكْتَفَى بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ
97الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌ لَهُ قَانِتُونَ}
215وَأَمَّا قَوْلُهُ: {هُوَ مُوَلِّيهَا} البقرة: 148 فَإِنَّهُ يَعْنِي: هُوَ مُوَلٍّ وَجْهَهُ إِلَيْهَا مُسْتَقْبِلُهَا
98يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} البقرة: 116 الَّذِينَ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، {وَقَالُوا} البقرة: 80 مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} البقرة: 114 . وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا، وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَهُمُ النَّصَارَى الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ
216الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} البقرة: 148 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاسْتَبِقُوا} البقرة: 148 فَبَادِرُوا وَسَارِعُوا مِنَ «الِاسْتِبَاقِ» ، وَهُوَ الْمُبَادَرَةُ وَالْإِسْرَاعِ
99الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} البقرة: 116 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: مُطِيعُونَ
217الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} فِي أَيِّ مَكَانٍ وَبُقْعَةٍ تَهْلَكُونَ فِيهِ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
100الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}
218الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللًّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}
101يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} مُبْدِعُهَا. وَإِنَّمَا هُوَ مُفْعِلٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، كَمَا صُرِفَ الْمُؤْلِمُ إِلَى أَلِيمٍ، وَالْمُسْمِعُ إِلَى سَمِيعٍ. وَمَعْنَى الْمُبْدِعِ: الْمُنْشِئُ وَالْمُحْدِثُ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى إِنْشَاءِ مِثْلِهِ وَإِحْدَاثِهِ أَحَدٌ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمُبْتَدِعُ فِي الدِّينِ مُبْتَدِعًا لِإِحْدَاثِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ
219يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} البقرة: 149 وَمَنْ أَيِّ مَوْضِعٍ خَرَجْتَ إِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ وُجِّهْتَ فَوَلِّ يَا مُحَمَّدُ وَجْهَكَ يَقُولُ: حَوِّلْ وَجْهَكَ. وَقَدْ دَلْلَنَا عَلَى أَنَّ التَّوْلِيَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إِنَّمَا هِيَ الْإِقْبَالُ بِالْوَجْهِ نَحْوَهُ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الشَّطْرِ فِيمَا مَضَى
102الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} البقرة: 117 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} البقرة: 117 وَإِذَا أَحْكَمَ أَمْرًا وَحَتَمَهُ. وَأَصْلُ كُلِّ قَضَاءٍ أَمْرُ الْإِحْكَامِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْحَاكِمِ بَيْنَ النَّاسِ: الْقَاضِي بَيْنَهُمْ، لِفَصْلِهِ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَقَطْعِهِ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ
220وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} البقرة: 149 فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ التَّوَجُّهَ شَطْرَهُ لِلْحَقِّ " الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ، فَحَافِظُوا عَلَيْهِ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ فِي تَوَجُّهِكُمْ قِبَلَهُ
103الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
221وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} البقرة: 74 فَإِنَّهُ يَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَيْسَ بِسَاهٍ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَلَا بِغَافِلٍ عَنْهَا، وَلَكِنَّهُ مُحْصِيهَا لَكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
104اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} البقرة: 118 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ النَّصَارَى
222الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
105الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} البقرة: 118 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}
223يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} البقرة: 149 مِنْ أَيِّ مَكَانٍ وَبُقْعَةٍ شَخَصْتَ فَخَرَجْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَوَلِّ وَجْهَكَ تِلْقَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ وَهُوَ شَطْرَهُ
106الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} البقرة: 118 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} البقرة: 118 قَدْ بَيَّنَّا الْعَلَامَاتِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، وَأَعَدَّ لَهُمُ الْعَذَابَ الْمُهِينَ فِي مَعَادِهِمْ، وَالَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أَخْزَى اللَّهُ النَّصَارَى فِي
224وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} البقرة: 144 وَأَيْنَمَا كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ تِجَاهَهُ وَقِبَلَهُ وَقَصْدَهُ
107الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}
225الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} البقرة: 150 فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلَ: عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّاسِ فِي قَوْلِهِ: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ} البقرة: 150 أَهْلِ الْكِتَابِ
108وَمَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} البقرة: 119 إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْإِسْلَامِ الَّذِي لَا أَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ مِنَ الْأَدْيَانِ - وَهُوَ الْحَقُّ - مُبَشِّرًا مَنِ اتَّبَعَكَ فَأَطَاعَكَ وَقَبِلَ مِنْكَ مَا دَعْوَتَهُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، بِالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا، وَالظَّفْرِ بِالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِيهَا؛
226الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
109الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} البقرة: 119 وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَرَأَتْ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} البقرة: 119 بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ «تُسْأَلُ» وَرَفْعِ اللَّامِ مِنْهَا عَلَى الْخَبَرِ، بِمَعْنَى: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ
227يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} البقرة: 150 وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ مِنَ الْبِلَادِ وَالْأَرْضِ إِلَى أَيِّ بُقْعَةٍ شَخَصْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَيْثُ كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ شَطْرَهُ، وَاتَّخِذُوهُ قِبْلَةً لَكُمْ، كَيْلًا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ سِوَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حُجَّةٌ، وَلِأُتِمَّ بِذَلِكَ مِنْ
110الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنِ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}
228وَقَوْلِهِ: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} البقرة: 150 يَعْنِي: وَكَيْ تَرْشُدُوا لِلصَّوَابِ مِنَ الْقِبْلَةِ. {وَلَعَلَّكُمْ} البقرة: 150 عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} البقرة: 150 , {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} البقرة: 150 عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ {لِئَلَّا يَكُونَ}
111يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} البقرة: 120 وَلَيْسَتِ الْيَهُودُ يَا مُحَمَّدُ وَلَا النَّصَارَى بِرَاضِيَةٍ عَنْكَ أَبَدًا، فَدَعْ طَلَبَ مَا يُرْضِيهِمْ وَيُوَافِقُهُمْ، وَأَقْبِلْ عَلَى طَلَبِ رِضًا اللَّهِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى مَا بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ. فَإِنَّ الَّذِي تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لَهُوَ السَّبِيلُ إِلَى
229الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}
112الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} البقرة: 120 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ} البقرة: 120 يَا مُحَمَّدُ هَوَى هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فِيمَا يُرْضِيهِمْ عَنْكَ مِنْ تَهَوُّدٍ وَتَنَصُّرٍ، فَصِرْتَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى إِرْضَائِهِمْ، وَوَافَقْتَ فِيهِ مَحَبَّتَهُمْ مِنْ بَعْدِ
230يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا} البقرة: 151 وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِبَيَانِ شَرَائِعِ مِلَّتِكُمُ الْحَنِيفِيَّةِ، وَأَهْدِيَكُمْ لِدِينِ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَجْعَلُ لَكُمْ دَعْوَتَهُ الَّتِي دَعَانِي بِهَا وَمَسْأَلَتَهُ الَّتِي سَأَلْنِيهَا فَقَالَ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مَسْلَمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا
113الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}
231ذِكْرُ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: {كَمَا أَرْسَلْنَا} البقرة: 151 جَوَابُ قَوْلِهِ: {فَاذْكُرُونِي}
114اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} البقرة: 121 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ
232قَوْلِهِ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} البقرة: 151 فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْعَرَبَ، قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: الْزَمُوا أَيُّهَا الْعَرَبُ طَاعَتِي، وَتَوَجَّهُوا إِلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا، لِتَنْقَطِعَ حُجَّةُ الْيَهُودِ عَنْكُمْ، فَلَا تَكُونُ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَتَهْتَدُوا، كَمَا ابْتَدَأْتُكُمْ بِنِعْمَتِي فَأَرْسَلْتُ
115الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} البقرة: 121 اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} البقرة: 121 فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ
233وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} البقرة: 151 فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَيُعَلِّمُكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَصَصِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَالْخَبَرُ عَمَّا هُوَ حَادِثٌ وَكَائِنٌ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْلَمُهَا فَعَلِمُوهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يُدْرِكُونَهُ بِرَسُولِهِ صَلَّى
116الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} البقرة: 121 قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ} البقرة: 5 هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتْلُونَ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَقَّ تِلَاوَتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يُؤْمِنُونَ بِهِ} البقرة: 121 فَإِنَّهُ يَعْنِي يُصَدِّقُونَ بِهِ. وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: «بِهِ» عَائِدَةٌ عَلَى الْهَاءِ الَّتِي فِي
234الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونَ} البقرة: 152 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: فَاذْكُرُونِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّايَ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَفِيمَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ، أَذْكُرْكُمْ بِرَحْمَتِي إِيَّاكُمْ وَمَغْفِرَتِي لَكُمْ
117الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} البقرة: 121 يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ} البقرة: 121 وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ يَتْلُوهُ مَنْ آتَاهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَكْفُرْ} البقرة: 99 يَجْحَدُ مَا فِيهِ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
235الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} البقرة: 152 يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: اشْكُرُوا لِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيمَا أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْهِدَايَةِ لِلَّذِينَ الَّذِي شَرَعْتُهُ لِأَنْبِيَائِي وَأَصْفِيَائِي {وَلَا تَكْفُرُونِ} البقرة: 152 يَقُولُ: وَلَا تَجْحَدُوا إِحْسَانِي إِلَيْكُمْ، فَأَسْلُبَكُمْ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِ
118الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} البقرة: 47 وَهَذِهِ الْآيَةُ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَذْكِيرٌ مِنْهُ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْ أَيَادِيهِ إِلَيْهِمْ فِي صُنْعِهِ بِأَوَائِلِهِمُ
236الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبِرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة: 153 وَهَذِهِ الْآيَةُ حَضٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَاحْتِمَالِ مَكْرُوهِهَا عَلَى الْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبِرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْقِيَامِ بِطَاعَتِي وَأَدَاءِ
