هل فكرت يوماً في الثمن الحقيقي لقطار يصل في موعده؟ خلف هدير القاطرات وصافرات الإنذار العالية، وفي قلب محطة نائية ينام عليها الزمن، تتكشف "يوميات معاون محطة"؛ ليست مجرد رواية، بل هي شهادة حية سُجلت بأمانة في مذكرات حقيقية ، خطّها رجلٌ أفنى زهرة شبابه بين قضبان السكك الحديدية ، ليُحوّل معاناته اليومية وناقمته على وظيفته إلى نافذة مُشرعة على عالم الأدب والإبداع.
تأخذك هذه اليوميات إلى شتاء عام 1992 ، حيث تتجلى حكايات البشر بين ورديات ليلية قارسة، تحمل في طياتها المفاجآت والأسرار. ستعيش صراع البطل الداخلي بين نُبل المسؤولية وعمق الوحدة الموحشة. ستشهد المحطة العتيقة، التي فقدت روحها في سباق التطوير ، وهي تعجُّ بالحياة في الماضي : طلاب، موظفون، وباعة الطيور البسطاء الذين كانت قصصهم تمد المكان بالدفء ، لترسم لوحة اجتماعية صادقة عن أصالة الريف وناس الصعيد.
لكن الليل في هذه المحطة لا يجلب السكون فحسب؛ إنه يفتح الباب على المجهول. بين لحظة وأخرى، يجد البطل نفسه محاطاً بخطر المجهول: شبح حادث مروع، جريمة قتل غامضة تُلقى جثتها بجوار قضبان القطار ، وسؤال قاسٍ يخص التضحية بالذات في سبيل ستر زميل متغيب. كما يكشف السرد عن قصص حبٍّ عابرة، كنظرات "أحلام" بائعة السمك التي فجّرت في قلب المعاون أولى شرارات الأنوثة والحب في عالمه الجاف، لتؤكد أن الحياة لا تتوقف عن التدفق حتى في أكثر الأماكن عزلة.
هذا العمل الأدبي الأصيل، الذي قُرن بـ"يوميات نائب في الأرياف" للأديب توفيق الحكيم ، يقدم لمحة إنسانية عميقة عن تفاصيل العمل الحكومي، وعن الفروق بين روح الأمس وجفاف الحاضر. إنه ليس تقريراً وظيفياً، بل هو نبضُ قلبِ حقيقي يشاركك قلقه ودهشته وحنينه. عندما تنهي قراءة هذه اليوميات، لن تعبر أي محطة قطار مرور الكرام، بل ستراها بعينٍ جديدة، عينٍ تشعر بوزن الحديد وقيمة الإنسان