حين تغيب الشمس وتنسحب الأضواء من الشوارع، لا يحل السكون كما نظن، بل يستيقظ عالمٌ آخر؛ عالمٌ ينمو في الظلال، حيث تُنسج الحكايات بخيوطٍ من الأسرار والبصمات الخفية التي لا تراها العين المجردة، لكنها تترك ندوباً غائرة في الروح. في كتابها الجديد "بصمات في العتمة"، لا تأخذنا الكاتبة رحمة خميس في رحلة بوليسية تقليدية، بل تقودنا من يدنا لنتأمل الجريمة لا كفعلٍ ينتهك القانون فحسب، بل كمرآةٍ تعكس أعمق مخاوف النفس البشرية وأكثرها تعقيداً.
بين صفحات هذا العمل، نرافق المحقق "يزن" بشغفه المتقد، والدكتور "سالم الشيخ" بخبرته الهادئة في أروقة المشاريح، حيث يهمس الموتى بأسرارهم لمن يحسن الإنصات. تتنوع الحكايات بين غموض "جبل سربال" في سيناء وألغاز القضايا المنسية التي قُيدت ضد مجهول، لتمزج الكاتبة ببراعة بين واقعية التحقيق الجنائي وبين تلك اللمسات الغامضة التي تجعلنا نتساءل: هل نحن وحدنا في هذا الكون؟ وهل كل ما نراه هو الحقيقة كاملة؟.
هذا الكتاب هو دعوة للغوص في العتمة، ليس بهدف الخوف، بل بحثاً عن النور الكامن في كشف الحقيقة. إنه شهادة أدبية على أن الأحلام تستحق السعي، وأن الحقيقة – مهما طال ليلها – تترك دائماً بصمة تدل عليها. بأسلوب يجمع بين برودة غرف الأدلة الجنائية وحرارة المشاعر الإنسانية، ترسم رحمة خميس لوحة مشوقة تجعل القارئ يلهث خلف التفاصيل، مدركاً في النهاية أن الغموض ليس مجرد لغزٍ يُحل، بل هو جزءٌ من جمال وتناقض هذا العالم المريب