بين ضجيج الحكايات التي لا تتوقف عن تمجيد "النصف الآخر"، وبين الركض المحموم الذي نخوضه بحثاً عن شخصٍ يرمم انكساراتنا، يأتي كتاب "وعي" للكاتب أحمد علي الريدي ليضع حداً لهذا اللهاث الطويل. إنه ليس مجرد كتاب عن الحب، بل هو "صدمة يقظة" لكل أولئك الذين علّقوا سعادتهم على مشجب الآخرين، وظنوا أن وجودهم لا يكتمل إلا بكلمة إعجاب أو نظرة قبول من غريب.
يغوص الريدي في أعماق النفس البشرية بأسلوب إنساني شفيف، متدرجاً من غموض الحاجة التي تسكننا إلى إلهام الاكتفاء الذي ننشده. يتساءل بجرأة: لماذا جعلنا من الحب غاية؟ ولماذا نركض خلفه كما يركض العطشان خلف السراب؟. عبر فصول الكتاب، ينكشف الستار عن خدعة "الكمال" التي زرعها الإعلام والمجتمع في عقولنا، لنتصالح أخيراً مع وحدتنا، لا بوصفها عيباً، بل كمساحة مقدسة لاكتشاف الذات.
في "وعي"، لا يُقدم الحب كمعركة يجب كسبها، بل كـ "رزق" يُنتظر بثقة، تماماً كالثمار التي لا تُقطف قبل نضجها. الكتاب دعوة صريحة للتعافي من وهم "الخلاص بالآخر"، وإرشاد هادئ للعودة إلى الداخل؛ حيث يبدأ السلام الحقيقي حين نتوقف عن الركض، ونقف عند نقطة الامتلاء بالذات، لنكتشف أننا كنا مكتملين طوال الوقت، لكننا فقط لم نكن نرى. إنه رحلة أدبية ونفسية تأخذك من يدك لتعلمك كيف تُحب نفسك أولاً، لتصبح قادراً على منح الحب لا من باب "الاحتياج"، بل من باب "الفيض"