في عالمٍ لم يعد يهدأ، حيث تلهث الثواني خلف الإشعارات المتلاحقة، وتغرق ذواتنا في ضجيج "الفضاء الأزرق" الذي امتصّ ملامحنا حتى صرنا نرى العالم من خلال شاشة لا تعكس إلا السطح، يأتي كتاب "نافذة وعي" للدكتورة فاطمة الشاملي ليفتح ثغرةً في جدار هذا الصخب. هذا الكتاب ليس مجرد مجموعة مقالات، بل هو دعوة لاسترداد "الإنسان" الذي تبعثرت أجزاؤه بين خوارزميات "الريلز" وسرعة الاستهلاك التي تقتل فينا القدرة على التأمل.
تشرع الدكتورة فاطمة نافذتها لنتأمل معاً ملامح واقعنا المعاصر، فتتحدث عن "الهشاشة النفسية" التي جعلتنا نكسر من أول ريح، وعن "نظام التفاهة" الذي يحاول قوننة السطحية وجعلها معياراً وحيداً للنجاح. تبدأ الرحلة من الخارج، من رصد ضياعنا في دوامة التيه الرقمي، ثم تتدرج ببراعة لتدخل بنا إلى الأعماق؛ حيث تسألنا: ماذا لو انقطع هذا الشريان الرقمي فجأة؟ هل سنواجه فراغاً مدوياً لأننا لم نعد نملك جذوراً في القراءة والتعمق؟.
بين دفتي هذا العمل، يمتزج الألم بالأمل، وتتحول المعاناة إلى "هبة" تعيد تشكيل الوعي، مستلهمةً من قصص الأنبياء، وعلم الدماغ، وواقع غزة الصامد، ورموز الفكر الإنساني. إنها محاولة لإعادة الاعتبار للكلمة التي "تقرأ" لا التي "تُمرر"، وللوعي الذي يبني صلة حقيقية مع الخالق ومع الذات. هو كتاب لأولئك الذين تعبوا من الهروب، وقرروا أخيراً أن يواجهوا ذواتهم في لحظة صدق خلف نافذة تطلّ على الحقيقة لا الوهم.